الأميركيون يقرؤون في ترامب نموذج "دون كيشوت" مع طواحين الهواء _ أمين أبوراشد

الخميس 21 أيار , 2026 12:25 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تُثير الحالة الذهنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب موضوعاً جدلياً ساخناً في الأوساط السياسية والطبية داخل الولايات المتحدة. وقد تصاعدت حدة النقاشات مؤخراً، إثر عدة استطلاعات رأي وتقارير، ترصد تصرفاته وتصريحاته وتغريداته المتناقضة عبر صفحته على Truth Social، خصوصاً لناحية خصوماته وعداواته الداخلية والخارجية مع من كانوا حلفاء له، على خلفية تورطه في الحرب على إيران والتسبب بإغلاق مضيق هرمز، وبات بعض الأميركيين يلصقون به شخصية "دون كيشوت" للكاتب الإسباني "ميغيل دي ثيربانتس"، الذي يعيش وَهَم البطولة، ويظن نفسه فارساً عظيماً خرج ليحارب الشر وينقذ العالم، ويرى حتى في طواحين الهواء أعداءً عمالقة، يُهاجمها بكل حماسة، بينما هي في الحقيقة لا تشكّل خطراً عليه، ولا تدور نكايةً به، وهذا بنظرهم وضع ترامب مع "النووي الإيراني".
والأميركيون لا يقرنون عن عبث سياسات ترامب بالدونكيشوتية، لأنه يخوض معاركاً غير مجدية ولا ينجح فيها، ويعيش بطولات وهمية، ويقاتل “أعداء” من صنع خياله الرحب: من أجل "ريفييرا غزة"، إلى "ريفييرا الساحل السوري"، إلى توريط نفسه لحل أزمة روسيا وأوكرانيا دون جدوى، إضافة إلى مغامراته من محاولة تركيع المكسيك وكندا وبنما وغرينلاند إلى السياسات الضريبية المترددة، وصولاً إلى مواجهة إيران التي أسقطت هيبة بلاده في مضيق هرمز، وانتصرت عليه في جولتين وستنتصر في أية جولة قد تحصل مستقبلاً.
ومنذ انعكست الحرب مع إيران على الوضع الاقتصادي في الداخل الأميركي، تصاعدت موجة التشكيك والمخاوف والانتقادات حول الحالة العقلية لترامب إلى عدة عوامل رئيسية، منها استطلاعات الرأي التي أظهرت تزايداً في قلق الناخبين الأميركيين حيال قدرته على التحكم بأعصابه وحالته المزاجية، حيث اعتبرت شريحة واسعة منهم (شملت حتى ناخبين جمهوريين ومستقلين) أن حضوره الذهني قد تدهور، ثم في التقارير الطبية والنفسية التي حذرت فيها مجموعة من الأطباء والمعالجين النفسيين من احتمال وجود تراجع إدراكي لديه، حيث شكل بعض الخبراء مجموعات للتحذير مما أسموه "تدهوراً كبيراً" مقارنة بوضعه في العقود الماضية، معتبرين أن نمط نومه القصير وسلوكه، قد يؤثران على قدرته في اتخاذ القرارات الحاسمة، إضافة الى سلوكياته العامة، حيث أثارت خطاباته غير المترابطة وبعض تصرفاته - مثل الرقص أو التمايل على المسرح لفترات طويلة أثناء الفعاليات - تساؤلات حول مدى تركيزه.
لكن الردود الرسمية في المقابل، جاءت برفض فريق ترامب وأنصاره هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً، ويؤكد البيت الأبيض أن ترامب يتمتع بحدَّة ووضوح ذهني عالٍ، ويُنظر إلى تصرفاته الصادمة والتهديدات أو التصريحات غير التقليدية (مثل التهديد بتدمير البنية التحتية) على أنها أداة متعمدة لإبقاء خصومه في حالة ارتباك سياسي، وليست مؤشراً على خلل عقلي، لكن مع التحركات المرتبطة بهذا الشأن أوصلت المخاوف بعض المنتقدين إلى حد المطالبة بعقد جلسات استماع في الكونغرس لتفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، الذي يتيح عزل الرئيس في حال عدم أهليته وكفاءته لتولي السلطة.
ومع انعقاد مجلس الشيوخ الأميركي مؤخراً وموافقته على قرار يُقيِّد صلاحيات ترامب في مواصلة الحرب على إيران دون الرجوع الى الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، تعقدت الأمور وسط تزايد المخاوف بشأن التكاليف الباهظة للحرب ومسارها، واجتاز القرار تصويتاً إجرائيا بغالبية 50 صوتا مقابل 47، وأصبحت الكرة في ملعب مجلس النواب، مع حق الرئيس بالطعن وفق ما نص عليه الدستور. 
ويُسلِّط هذا التصويت الضوء على القلق المتزايد داخل الحزب الجمهوري مع دخول الحرب شهرها الثالث، ما أرهق مخزونات الأسلحة الأميركية وأثار تساؤلات حول الجاهزية العسكرية ورفع التقديرات الرسمية للتكاليف إلى أكثر من 30 مليار دولار حتى الآن.
ويطلب قرار الكونغرس من الإدارة، إما وقف أي عمل عسكري ضد إيران أو الحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلته، بالاستناد إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 الذي أُقر بعد الحرب على فيتنام لكبح جماح الإدارات في شن حملات عسكرية طويلة من دون موافقة الكونغرس.
هنا يقول زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، ​تشاك شومر​، قبيل التصويت، إن ترامب "أشبه بطفل صغير يلهو بمسدس محشو". وأضاف: "إن كان هناك وقت مناسب لدعم قرارنا بشأن صلاحيات الحرب لسحب القوات من الأعمال العدائية مع إيران، فهو الآن".

من جهته، فجّر الكاتب والمحلل السياسي الأميركي البارز روبرت كاجان، المرجع الفكري الأهم لتيار المحافظين، مفاجأة مدوية في مقال تحليلي رصد فيه التداعيات الكارثية للحرب الأميركية الأخيرة على إيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة تواجه احتمالية هزيمة استراتيجية حاسمة وغير قابلة للإصلاح، ستقلب موازين القوى العالمية وتعلن رسمياً بدء عصر ما بعد أميركا.
يستند كاجان في تقييمه على فشل الخيار العسكري في إركاع طهران، وأن سبعة وثلاثين يوماً من القصف الجوي المدمر والمتواصل الذي شنته الولايات المتحدة و"إسرائيل" أسفر عن تدمير أجزاء واسعة من البنية العسكرية الإيرانية ومقتل معظم قياداتها، إلا أنه عجز تماماً عن إسقاط النظام أو انتزاع أي تنازلات سياسية منه، مشيراً إلى أن مراهنة إدارة ترامب الحالية على أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة العسكرية هو رهان بائس، كون النظام الذي صمد تحت القصف العنيف لن يستسلم للحصار، في وقت يُداهم فيه الوقت واشنطن مع قفز أسعار النفط نحو مائة وخمسين إلى مئتي دولار للبرميل، وارتفاع معدلات التضخم العالمي، وظهور بوادر أزمة نقص غذاء حادة، مع الأخذ بعين الإعتبار معادلة الردع الصاروخي وشلل القرار الأميركي، وامتناع ترامب رعباً عن استكمال المعارك، حيث تمتلك إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ والمسيرات المخبأة في منشآت حصينة تحت الأرض، وقادرة على توجيه ضربات انتقامية تشلّ بنية النفط والغاز في الخليج لعقود، وهو ما دفع ترامب لطلب تقييم استخباراتي عاجل لبحث عواقب إعلان النصر والانسحاب، لتجنب تكاليف حرب برية وبحرية شاملة واحتلال طويل المدى لا تملك أميركا القدرة على تحمله، خاصة بعد أن أظهرت أسابيع القتال القليلة، استنزاف مخزون الأسلحة والذخائر الأميركية إلى مستويات خطيرة أمام قوة تُصنَّف من الدرجة الثانية، واستطاعت بكل سلاسة السيطرة الكاملة على مضيق هرمز.
ويختتم كاجان تحليله بالإشارة إلى أن هذا الانكسار العسكري في الخليج أثبت ضعف الولايات المتحدة وعدم جدارتها بالثقة، مما سيجبر دول المنطقة على تقديم تنازلات لطهران ووضع ترتيبات خاصة معها، كما سيعزز الموقف الاستراتيجي للصين وروسيا كحليفين رئيسيين لإيران، محذراً من أن هذا التراجع الأميركي قد يشجع الرئيس الصيني شي جين بينغ على شن هجوم حاسم لضم تايوان، أو يدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتصعيد حربه في أوروبا، وسط تساؤلات حادة من حلفاء واشنطن حول مدى قدرتها على حمايتهم في المستقبل.
في الخلاصة، أخطاء فادحة وغير مسبوقة ارتكبها ترامب ولن يغفرها له الأميركيون:
- العمليات العسكرية ضد إيران تزامنت مع تزايد الدين الأميركي وانهيار في الإقتصاد. 
- فقدت العملية أي مبرر مباشر يؤكد أن إيران خطر على الأمن القومي الأميركي. 
- كشفت المواجهات عن ثغرات بالجيش الأميركي (طلب 1.5 تريليون دولار تمويلاً لميزانية 2027) 
- قوَّت العمليات العسكرية النظام الإيراني بدلاً من إسقاطه، وخلقت أزمة دولية في مضيق هرمز. 
- خاض ترامب حرباً بالوكالة عن "إسرائيل"، دون الكشف لغاية الآن عن سبب تورطه فيها وتوريط أميركا معه، سوى أنه حارب طواحين الهواء في منطقة تبعد عن أميركا ثمانية آلاف ميل رآها "دون كيشوت ترامب" بعقله المُتطيِّر أنها تشكل خطراً على بلاده.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل