الحروب الأمريكية… وتأسيس عالَم بلا دين ولا أخلاق ــ د. نسيب حطيط

الخميس 15 كانون الثاني , 2026 09:49 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تقوم أمريكا بشن حروب متعددة على دول العالم، لتنصيب نفسها "إله الأرض" و "الحاكم المطلق" الذي يفرض مشيئته على من يشاء، واعتبار الشعوب عبيداً لها، والدول أسماء متحركة لا سيادة لها، ويمكن لأمريكا أن تلغي الأسماء أو تقسّم الجغرافيا الوطنية وتوزعها كيفما شاءت؛ فتضم الجولان السوري الى "إسرائيل"، وتضم "غرينلاند" الى أمريكا او "منطقة ترامب الاقتصادية" في جنوب لبنان، أو تنهب ثرواتها؛،كما فنزويللا، لأنها الأقوى والأكثر توحشاً، ولأنها دولة بلا دين ولا أخلاق تعمل على تأسيس دين جديد هو "الدين الأمريكي" الذي ستفرضه على العالم بالغزو والاحتلال والقمع، أو بالانقلابات الداخلية، أو الاغتيالات أو القتل الجماعي جوعاً، وحصار الشعوب والدول ضد إيران وكوريا الشمالية وسوريا ولبنان واليمن، والعراق الذي بدأت فيه منظومتها بنهب الشعوب تحت عنوان "النفط مقابل الغذاء"، ومقايضة  حياة العراقيين ببراميل النفط، وهو أسوأ نظام استعماري في التاريخ، وتبيد غزة وتحرثها بيد "إسرائيل" وأموال العرب وصمت المؤسسات الدولية لتقيم على أرضها "ريفييرا ترامب" ، الذي اعلن ملكيته لها ونيته طرد أهلها وتوزيعهم وتشتيتهم عند العرب أو في أفريقيا، وإذا أمر الملوك والرؤساء والأمراء باستيعاب الفلسطينيين المطرودين من غزة والضفة فسينفذون، ولن يتجرأ أحد على الرفض حتى يبقى في الحكم ولا يتم عزله.
بعدما أسقطت أمريكا ما يسمى العالم العربي أو الأمة العربية من المصطلح السياسي وجعلته دولاً "ورقية" متنازعة، وحوّلت الملوك والحكام الى القاب "وهمية" تزينها "النياشين" بالتلازم مع "التنويم العقائدي" للشعوب التي استطاع وعاظ الدين الجديد أن يقنعوا الناس ان عبادة الله بالاستسلام والخنوع، وأن عليهم طاعة حكامهم ولو ألهبوا ظهورهم بالسياط وعذّبوهم ومنعوا عنهم الخبز، وأفتوا لهم بعدم جواز قتل المحتل "الإسرائيلي" أو الأمريكي، وأنه مغامرة تؤدي إلى التهلكة، بينما أجازوا ذبح المسلمين والمسيحيين والعلمانيين، وسبي النساء واغتصابهن وبيعها، ما عدا النساء اليهوديات، لأن ذلك حرام، فهم من أهل الكتاب و"أبناء العم"، وقد عاد العرب إلى "حظيرة  الاستعمار الأمريكي - "الإسرائيلي" الجديد بعد حوالي 70 عاماً من استقلال دولهم ورحيل الاستعمار الفرنسي والإنجليزي، وقبله الاحتلال التركي.
الحرب الأمريكية على العالم  هي حرب ثقافية عقائدية هدفها نهب ثروات واستعمار العالم بلا غزو واحتلال، بل شن حرب نفسية وإعلامية، مع بعض الضربات الساخنة، لإجبار الشعوب والحكام على الاستسلام والزحف إلى "الكعبة" الجديدة للمسلمين والمسيحيين في البيت الأبيض الأمريكي، وقد استطاعت امريكا فرض دينها الجديد، واجبار الناس، إلا قلة قليلة لازالت تقاوم، على عبادة الرئيس الأمريكي، مهما كان اسمه، والطواف حول "الكعبة" الجديدة (البيت الأبيض) والتخلّي  عن أديانها وعقائدها، ففي الشرق الأوسط، مهْد الرسالات السماوية، على الشعوب أن تتخلى عن المسيحية والإسلام وتعتنق "الديانة الإبراهيمية" الجديدة التي وُلدت من مزيج من التأثيرات التلمودية والتوراتية، والمشبعة بالصهيونية والماسونية والمثلية والقيم الأخلاقية السلبية، وعلى الشيوعيين والبوذيين واللادينيين أن يعبدوا "الإله الأمريكي"، كما حال الفراعنة والأصنام القديمة، وعلى الدول والشعوب أن تحمل الهدايا والقرابين للصنم الأمريكي الأكبر وصنمه "الإسرائيلي" الأصغر، ليرضيا عنها ويستجيبا لدعائها، فتحمل اليهما النفط والغاز والذهب، وكل أنواع ما تنتجه الأرض أو ما تختزنه.
المشكلة الكبرى في مواجهة الحرب الأمريكية على العالم تكمن في ضعف الحصانة الثقافية والعقائدية لمواجهتها، فإن أمريكا تهزم الشعوب والأنظمة قبل أن تقصفهم بالطائرات أو تغزوهم بريًا، وتهزمهم نفسيًا وتقنعهم بأنه لا أمل في مواجهة أمريكا، وأن الانتصار عليها أمر مستحيل وأن على "العاقل" أن يستسلم ليبقى على قيد الحياة عبدًا بدل أن تقتله أمريكا أو تدفنه حيًا.
لابد من استنهاض العقل العربي والإسلامي وإعادة إحيائه، وتذكيره بأنه يمكن هزيمة أمريكا، فقد هزمتها فيتنام وخرجت من أفغانستان، وأخرجتها المقاومة اللبنانية من بيروت قبل 40 عامًا، وأن الاستعمار الأمريكي ليس قدرًا لا يمكن ردّه، بل أمر ممكن وليس مستحيلاً، شرط توحيد القوى، والصمود، وعدم مقايضة الدين والكرامة والأرض برغيف الخبز أو بالمنصب السياسي.
هزمتنا أمريكا ثقافيًا قبل أن تغزونا عسكريًا، وهزمتنا بثقافة الفساد الذي أنهكت حركات المقاومة والأنظمة والأحزاب والمؤسسات الدينية... واستطاع التحالف غير المباشر بين أمريكا والفساد اغتيال "الدين"، ليتم تنصيب "الديانة الإبراهيمية" بديلاً عنه، ولتتحوّل الشعوب إلى عبيد لأمريكا و"إسرائيل" بدل أن نكون عبيدًا لله.
أول خطوة لانتصار المقاومة على المشروع الأمريكي وإنقاذ الأمة، حفظ الدين الأصيل، ووحدة الصف، وتحرير العقل، ومقاومة الفساد (سلاح الدمار الشامل للأمة)، فليس بالرصاص وحده ينتصر الإنسان.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل