أقلام الثبات
ليس في المنظور, قياسا الى ما يجري في العالم, ان التغول الاميركي سيتراجع عن محاولات الاخضاع المتمادية وفق استراتيجية الامن القومي الجديدة - الرؤية الترامبية - الهادفة الى السيطرة على العالم بعنوان اميركا اولا - "الامة الاعظم"، وعليه لقد فتحت الولايات المتحدة بؤر توتر حول العالم بعدوانية غير مسبوقة سواء في الميدان , او في الخطاب السياسي الترهيبي ,بمعطيات توهيمية لذر الرماد في العيون من جهة ولإسقاط المترددين والمتخاذلين .
ان المقاييس الاميركية الجديدة, تختزل حق الشعوب والدول في المصالح الاميركية , وان مفاهيم التعاون الدولي السائدة, لا مكان لها الا من نافذة مصالح السيطرة الاميركية بما فيها مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة او التابعين , او اولئك الذين يسعون الى التبعية .
ان ما حصل في فنزويلا, من عملية سطو مسلح دولية متكاملة الأركان، وخطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ومحاكمتهما , بذرائع لم تنطل على معظم الاميركيين من خارج أنصار ترامب الذين اعادوا استلهام "عقيدة مونرو"1823- العدوانية بلا ضوابط اخلاقية او سياسية او سيادية .
لقد اعدت ادارة ترامب لعملية الغزو الارهابية قبل شهور من تنفيذها وقد تعهد مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ، خلال جلسة تثبيته العام الماضي، بقيادة وكالة أكثر حزماً واستعداداً لتنفيذ عمليات سرية، كما فوّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوكالة باتخاذ إجراءات أكثر تشدّداً، حيث وافقت الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ على التخطيط والإعداد لسلسلة عمليات داخل فنزويلا، تمهيدا لعملية ترهيب لدول البحر الكاريبي اولا , وللأوروبيين تاليا , ولبقية دول العالم في كل القارات كخلاصة ترهيبية .
لقد هدف الاستعراض العدواني على فنزويلا الى الإيهام بقوة, وهيمنة, وسيطرة الإمبراطورية الأمريكية التي تعاني من ازمات داخلية متعددة الى جانب الازمات الاخلاقية حول العالم , وكل ذلك يشاهده سكان الكرة الارضية , ومثبت في حقائق التاريخ الموضوعية., لكنه في الواقع ,تنفيذ عملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنوانا رئيسيا هو الهيمنة على العالم اينما تمكنت والسطو على الموارد , والثروات الوطنية , لصالح الولايات المتحدة، وفي هذا المجال توجه التهديدات لكوبا الابية وغيرها من دول اميركا اللاتينية .
ان التهديدات الوقحة لإيران ليست خارج السياق , في إطار تنصيب الاميركي نفسه مديرا كونيا, ومعلما مغرورا ,وما على الاخرين الا الطاعة, او التدمير والقتل، وهو ما تخفه لا اميركا ولا عصاها في المنطقة - اي الكيان الصهيوني ,
من الواضح ان سيناريوهات عدة , قد اعدت لإسقاط إيران كنموذج واجه السياسات الاميركية - والاسرائيلية ومخططاتهما بشأن المنطقة , واعادة تشكيلها ,الا ان الصمود الايراني ,دفع واشنطن الى تعديلات شبه يومية في الخطاب الترويعي , تارة من اعلان النية الى التدخل العسكري المباشر لإسقاط النظام واطوارا الاعلان الفج في مساعدة المتظاهرين ضد الحكومة باعتبار ذلك فرصة تساهم في اسقاط النظام .
بلا شك ان تعقيدات ليست بسيطة يواجهها الايرانيون , لكن الملايين التي نزلت الى الشوارع تأييدا للحكومة , والاستعداد للدفاع عن البلاد في مواجهة المعتدين , ليست مجرد رسالة الى عالم الارهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الساعية الى تدمير كل الهيئات الدولية الناظمة للصراعات واحتوائها .
بلا شك ان الاعمال العدوانية الاميركية تجاه إيران تتصاعد من 46 عاما في سياق مشروع الهيمنة على المنطقة ,ليس فقط لان إيران تواجه الحملات الاستعمارية بوجوهها الجديدة المتعددة, مهما كانت الاضرار والتحديات، بل لان الضرر الأعمق يكمن في الاستسلام، وتالياً انحدار الحضارة نحو هاوية بلا قرار, ولفظ انفاس القيم الانسانية .
ان البؤرة الموضوعة بشكل عاجل ايضا على طاولة الغزوات الاميركية, هي جزيرة غرينلاند المستقلة وقد كررت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، أن الرئيس دونالد ترامب حدد موقفه بشأن غرينلاند بشكل واضح للغاية، فهو يريد أن تستحوذ الولايات المتحدة على الجزيرة. - اي بالمعنى السياسي - السطو على الجزيرة وعسكرة المنطقة - لأنه يعتقد أنه إذا لم نفعل ذلك، فسيتم الاستحواذ عليها في نهاية المطاف أو حتى الاستيلاء عليها عسكريا من قبل الصين أو روسيا، وهو أمر ليس جيداً للولايات المتحدة أو أوروبا أو غرينلاند نفسها".
الذريعة التي اعتمدتها ادارة ترامب بالتخويف من روسيا والصين لم تجد من يستسغها حتى من أقرب الحلفاء والتابعين , الذين اعتبروا ان المخرج الذي اقتعوا به حكومة غرينلاند يكون بتكثيف الجهود لضمان الدفاع عن الجزيرة تحت مظلة الناتو" بما في ذلك الولايات المتحدة، لديهم مصلحة مشتركة في الدفاع عن غرينلاند.
بلا شك كما يقول مصدر روسي ان "تصريحات ترامب بشأن تهديد السفن الروسية والصينية لغرينلاند محض هراء.. أي توسّع للنفوذ الأمريكي في القطب الشمالي نذير شؤم لنا. فبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تمتلك روسيا الجزء الأكبر من منطقة القطب الشمالي، لكن الولايات المتحدة لا تعترف بهذه الاتفاقية. وهي الآن تريد الحصول على جزيرة ضخمة.
إذا دخل الأمريكيون غرينلاند، فبإمكانهم بسهولة إعادة فتح المطارات العسكرية هناك وإحياء قاعدة كامب سنتشري المهجورة.
رغم اليباس يضرب اوروبا , فان بعض الاوربيين لم يرتعدوا من ترهيب ترامب ,فاسبانيا التي لها مصالح تاريخية في الكاريبي وكانت بعض دوله تحت السيطرة لعشرات السنوات ادان رئيس وزرائها بيدرو سانشيز الغزوة الاميركية لفنزويلا واعلانه انم موقفه "قائم على احترام القواعد العادلة، لا على قانون الغاب"، وهذا الموقف يمكن ان يعرض علاقات إسبانيا بالولايات المتحدة للخطر - وهو الخوف الذي يدفع قادة أوروبيين آخرين إلى التزام الصمت ,سيما ان ترامب كان قد ألمح سابقًا إلى ضرورة طرد إسبانيا من حلف الناتو بعد رفضها مطالبه بزيادة الإنفاق العسكري. كما ا لمح ترامب إلى فرض عقوبات بفرض رسوم جمركية إضافية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الإسباني "مزدهر للغاية، وقد ينهار تمامًا في حال حدوث أي طارئ". كما انتقد سانشيز بشدة التهديد الأمريكي بشأن غرينلاند، قائلاً: "إسبانيا، المؤمنة بالسلام والدبلوماسية والأمم المتحدة، لا يمكنها بالطبع قبول هذا، تماماً كما لا يمكننا قبول التهديد الصريح لسلامة أراضي دولة أوروبية، كما هو الحال مع الدنمارك".
في كل التدخلات الاميركية حول العالم ذات الابعاد الاستعمارية والهيمنة ,يكون انتاج تلك العمليات, أنظمة استبدادية أو حروب أهلية أو عدم استقرار مستمر، وقد تم تبريرها تاريخياً بدوافع الأمن القومي أو مكافحة الشيوعية، بينما هي تدمير السيادة الوطنية، في الوقت الي تشعر الولايات المتحدة بتقلص نفوذها العدائي .
في هذا نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقال رأي بقلم مدير برنامج الجنوب العالمي في معهد كوينسي للحكم الرشيد سارانغ شيدور تحت عنوان "عهد الهيمنة الأمريكية انتهى وهناك شيء جديد قيد الظهور".
ويرى صاحب المقال أنه "على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بنفوذ كبير وقدرة على إخضاع الآخرين لإرادتها، إلا أن أيام هيمنتها الأحادية قد ولت"، مضيفا أنه "يمكن تفسير عدوانية إدارة (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب على أنها نوبة حادة من الأحادية المتطرفة. في الواقع، بدأت أنماط جديدة من التفاعل تتضح في هذا المشهد. ومع تراجع هيمنة أمريكا العالمية، يتشكل عالم جديد سواء شاءت واشنطن ذلك أم لا".
عادة ما نتج عن هذه العمليات أنظمة استبدادية أو حروب أهلية أو عدم استقرار مستمر، وقد تم تبريرها تاريخياً بدوافع الأمن القومي أو مكافحة الشيوعية, الامر الذي يجعل المواجهة من ضمن الضرورات الوطنية في الحفاظ على السيادة , لا التماهي مع السياسات الاميركية والخضوع كالأغنام ,بذريعة عدم وجود بدائل
لا شك ان الخيار, ليس سهلا, ولكن في زمن الخيارات الصعبة , لا يجوز الترويج للانبطاح بالدعوة الى التعقل , فالعالم يمكن ان يشتعل تحت اقدام الغزاة الاميركيين.
التغول الاميركي عالمياً.. الانصياع او المواجهة؟ ــ يونس عودة
الأربعاء 14 كانون الثاني , 2026 10:53 توقيت بيروت
أقلام الثبات
سلطة الشرع: تركية شمالاً وصهيونية جنوباً… وتكفيرية في كل سوريا ــ أمين أبوراشد
أدوات أمريكا تتفكّك وتتصارع لتقسيم سوريا ــ د. نسيب حطيط
طوفان "العهد الصادق": إيران تُسقط أوهام الغطرسة وترسم خارطة السيادة