أدوات أمريكا تتفكّك وتتصارع لتقسيم سوريا ــ د. نسيب حطيط

الثلاثاء 13 كانون الثاني , 2026 09:14 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تتعامل الولايات المتحدة مع حلفائها وأصدقائها كأدوات وكجنود وبيادق على رقعة الشطرنج العالمية، يقاتلون لحماية "الملك الأمريكي"، فإذا حققت أمريكا النصر وهزمت أعداءها، بادرت بتحريض هذه الأدوات على بعضها، ملمّحة لكل طرف بأنه الأقرب والأكثر موثوقية، وعليه تصفية الطرف الآخر،  وهكذا يتصارع الجميع وتتخلص منهم أمريكا دون تحمل مسؤولية مباشرة، لكونها لا تقبل شراكة في انتصاراتها أو غنائمها، أما إذا مُنيت أمريكا بالهزيمة، فإنها تُحمّل المسؤولية لهذه الأدوات وتعاقبها إما بانقلابات داخلية عليها، أو بإثارة قتال بعضها البعض للتخلص منها.
حشدت أمريكا تحالفًا عالميًا متعدد الجنسيات والأديان والقوميات لإسقاط النظام في سوريا، ونجحت في إسقاطه "بشكل غامض" بعد 13 عامًا من الحرب، وأعلن تحالف الأدوات الخارجية ("إسرائيل" وتركيا وقطر والسعودية والإمارات) انتصارهم في سوريا، كما أعلن تحالف الأدوات الداخلية (الجماعات التكفيرية والمعارضة العلمانية والدرزية والكردية..) انتصارهم على النظام وإسقاطهم، لكن لم يمضِ عام واحد على هذا الانتصار الموهوم حتى تبين أن الرابح الوحيد هو أمريكا و"إسرائيل"، أما البقية فكانوا مجرد جنود في معركة أمريكية - "إسرائيلية" لن يكسبوا سوى الفتات المؤقت، وسرعان ما بدأ الصراع التركي - "الإسرائيلي" الخفي، لأن تركيا لم تحقق بعد ما تريده من سوريا، فلم تسيطر على النظام، ولم تنه الحالة الكردية والسيطرة على شمال البلاد، فرئيس النظام الجديد (الجولاني) حظي برعاية ترامب الذي ضمّه الى "حريمه السياسي" ومنحه حصانة ضد أي ضغط تركي أو عربي.
أما العرب فقد انتصروا معنويًا وثأروا لأنفسهم من نظام "آل الأسد" الذي لم يسِر في ركبهم وظل سيدًا على سوريا، فوقف مع إيران الثورة عند انتصارها، واحتضن حركات المقاومة وكل اللاجئين السياسيين العرب، وبعد سقوطه اقتصر دورهم على تأمين التغطية الإعلامية والمذهبية لمجازر النظام الجديد، وتسديد الفواتير المالية وفق المتطلبات الأمريكية.
حقّقت "إسرائيل" مكاسب كبيرة بتدميرها الترسانة العسكرية السورية الضخمة، كما جرى تفكيك الجيش العربي السوري، واستولت "إسرائيل" على الجولان، واحتلت جنوب سوريا، مُعلنةً نفسها القوة المهيمنة على سوريا عبر بوابة لجنة التنسيق الأمني الثلاثية (السورية - الأمريكية - "الإسرائيلية").
أما المعارضة الداخلية فلم تحقق أي مكسب، فالجناح العلماني والمدني من المعارضة، والذي احتل واجهات الإعلام وقاعات المفاوضات، كان مجرد قناع ضروري لأمريكا لمواجهة النظام في مؤتمرات جنيف وباريس وتركيا وغيره، ولم يُسمح لهم بالشراكة في الحكومة أو النظام، بل بقي معظمهم خارج سوريا ليبدؤوا معارضة جديدة، وقد تعاملت معهم أمريكا والعرب (كمثل الحمار يحمل أسفارًا)، حيث حملوا رايات المعارضة لإسقاط النظام، ليتم استبعادهم بعد سقوطه.

أما الأكراد الذين رفضوا التجنيس والحقوق التي منحهم إياها الرئيس الأسد، وكانوا رأس الحربة العسكرية ضد النظام، فلم يتمكنوا من إعلان "إقليم كردستان السوري" ويتعرضون لعملية تهجير من حلب، فإذا كسب الأكراد، خسرت تركيا استراتيجياً، وإذا لم يُعلن الإقليم، خسر الأكراد، بعد أن كانوا وقوداً لمعركة ليست معركتهم.
أما الدروز الذين بالغوا في معارضتهم كمذهب ضد نظام لم يستبعدهم من الشراكة، فقد خرجوا بعد سقوط النظام من مظلة الدولة السورية الموحدة إلى الرعاية "الإسرائيلية" المباشرة، وذلك بعد اصطدامهم بحلفاء الثورة الذين استلموا السلطة ويحاصرونهم الآن، وبذلك خسروا انتماءهم القومي والديني إثر طلبهم الحماية والرعاية والانضمام إلى الكيان "الإسرائيلي".
أما السُّنة المعتدلون، وكذلك جماعة "الإخوان المسلمون"، الذين أعلنت أمريكا إدراجهم على لائحة الإرهاب، وتبرأ منهم نظام "الجولاني"، وهم الذين كانوا روّاد المعارضة المسلحة ضد نظام "الأسد" منذ الثمانينات، وكانوا "أم المعارضة" التي أنجبت الكثير من المعارضين ودعمت التكفيريين، لكن الأبناء (التكفيريين) قتلوا "أمهم" التي تُدعى "الإخوان المسلمون".
لم يكن هدف الولايات المتحدة وحلفها العالمي ضد نظام الأسد تحقيق الديمقراطية وتداول السلطة ورفاهية الشعب السوري، بل كانت تهدف إلى سرقة النفط والغاز، وضمان أمن "إسرائيل"، والقضاء على حركات المقاومة، وذلك ضمن مشروع الشرق الأوسط "المنزوع السلاح "المقاوم للمشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، وقد خسر السوريون الأمن والاقتصاد والثروات والجولان، وربما يفقدون أراضي أخرى في مسار تقسيم سوريا رسميًا إلى فيدرالية من أقاليم طائفية، بما يخدم مصالح أمريكا و"إسرائيل" أولاً.
تتعامل أمريكا مع الدول والأحزاب والطوائف والأشخاص والجماعات التكفيرية كوسائل لتحقيق أهدافها، ثم تعمل على تدميرها وإقصائها بعد انتهاء المهمة، وكأنها أحذية ملوّثة بالطين والقذارة يجب خلعها قبل دخول صالون البلد المحتل... فهل يتعظ بعض اللبنانيين، كي لا تنتعلهم أمريكا و"إسرائيل"، ولا ينسوا تجربة جيش لحد وباصات دير القمر؟


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل