أقلام الثبات
بعد الإعلان عن "اتفاق باريس" بين سوريا و"إسرائيل"، برز نموذج جديد من التطبيع لا يقوم على التسويات السياسية أو "الأرض مقابل السلام"، بل على ما يمكن تسميته بـ"التطبيع الوظيفي"، أي القفز فوق القضايا السيادية مباشرةً نحو التعاون الاقتصادي والأمني والاستخباري. وكان وزير الدفاع "الإسرائيلي" يسرائيل كاتس قد أعلن بعيد توقيع الاتفاق أن "إسرائيل" لن تنسحب من الأراضي السورية، حتى تلك التي احتلتها بعد سقوط النظام السوري.
وبما أن المبعوث الأميركي توم برّاك لطالما دعا اللبنانيين الى الاستفادة من التجربة السورية وتقليدها، فيمكن أن نتوقع أن يتم عرض شيء شبيه على لبنان. وعليه، قد تقوم المقاربة في لبنان على منطق القفز فوق القضايا الجوهرية التي تهم اللبنانيين، مثل وقف الانتهاكات "الإسرائيلية"، والانسحاب من الأراضي المحتلة، واحترام السيادة اللبنانية وإعادة الأسرى، للبحث مباشرة في قضايا "السياسة الدنيا"، أي الاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، والتعاون التقني.
من هنا، نفهم كيف أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تحدث عن تعاون اقتصادي مع لبنان، بمجرد حصول اللقاء المدني الأول للميكانيزم بحضور السفير سيمون كرم. وأيضاً، يمكن فهم الحديث عن "منطقة اقتصادية" في جنوب لبنان، سبق أن أشار إليها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. هذه المنطقة الاقتصادية تهدف الى خلق منطقة عازلة خالية من السكان لحماية أمن "إسرائيل"، وهو ما أكد رئيس الجمهورية على رفضه، معتبراً انه لا يمكن الحديث عن مناطق اقتصادية بمعزل عن عودة السكان الى أراضيهم.
إذاً، في هذا السياق، يمكن توقع حصول ضغوط على لبنان لتوقيع اتفاق مع "إسرائيل" شبيه بما طُرح على سوريا، تحت عنوان "السلام الاقتصادي" أو "الاستفادة من الفرص الإقليمية"، أي إدماج لبنان ضمن منظومة إقليمية تقودها "إسرائيل"، خصوصاً في قطاع الطاقة.
وعليه، وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي أعقبت العقوبات الغربية على الغاز الروسي، سيتزايد الحديث عن إدخال لبنان في كونسورتيوم غازي إقليمي لتصدير الغاز إلى أوروبا. يزداد هذا التوقع مصداقية مع التقارير التي تتحدث عن كميات واعدة من الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، لا سيما في الحقلَين 8 و9، وهي حقول متداخلة مع المياه الفلسطينية المحتلة وقريبة من حقل كاريش.
في مثل هذه الحالة، يصبح الضغط باتجاه التعاون في مجال الطاقة وسيلة لتطبيع وظيفي شبيه بما حصل في سوريا، لكن الخشية أن يصبح لبنان حلقة وظيفية ضمن شبكة إنتاج وتصدير تخضع لموازين قوة غير متكافئة، وألا تطبق "إسرائيل" اتفاق تشرين الثاني 2024، وألا تنسحب من الأراضي اللبنانية.
طوفان "العهد الصادق": إيران تُسقط أوهام الغطرسة وترسم خارطة السيادة
المشروع الأمريكي: نزع السلاح مقابل لا شيء! ــ د. نسيب حطيط
العرب... وعودة الإمبراطوريات _ عدنان الساحلي