أقلام الثبات
سيبكي الحكام وأصحاب الثروات، قبل الفقراء وعامة الناس من العرب، دماً، على الفرص التي أهدروها ليشكلوا كياناً منيعاً ووجوداً مستمراً وسلطات متعاقبة، تحمي وجودهم وادوارهم وثرواتهم، بعد أن يصل "موس" المتسلط دونالد ترامب وامثاله إلى ذقونهم. وهو وصل على سبيل الاختبار، فاقتنص منهم جعالة خمسة تريليونات دولار، عدّاً ونقداً، فكيف الحال عندما يقرر مساواتهم بفنزويلا وغرينلاند وغيرها، ممن بدأ بكشف أطماعه فيها، في نشوة إمبراطورية جلفة، لم يجد من يضع حداً لها؛ وربما لن يجد.
ويعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في آخر تصريحاته "السلطانية"، باعتباره سلطان العالم الذي لا ترد كلمته، ولا يرفض له أمر، أن "سلطته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يقيدها سوى (أخلاقه الشخصية)، وإنه ليس بحاجة إلى القانون الدولي وغيره من القيود، التي قد تحد من قدرته على استخدام القوة العسكرية".
وبكل عنجهية، تحدث عن القانون الدولي، فقال "إنه هو من يحدد متى تنطبق تلك القيود على الولايات المتحدة"، مضيفاً: "الأمر يعتمد على تعريفك للقانون الدولي"؛ في أوضح اعتراف بما ينويه لترسيخ الهيمنة الأميركية على العالم. بما يعني أن "قوة الدولة، وليس القوانين أو المعاهدات أو الأعراف الدولية، هي العامل الحاسم عندما تتصادم القوى".
وفي يوم إدلائه بهذا التصريح، وجه ترامب تهديدات للرئيس الكولومبي جوستافو بيترو، الذي قال لوسائل الإعلام أنه قلق بعد تهديدات ترامب المتكررة، التي يقول فيها أنه يفكر في شن هجوم على كولومبيا، مشابه للهجوم الذي استهدف فنزويلا، مما اضطر بيترو للاتصال هاتفيا بترامب؛ ومراضات خاطره، قائلاً إنه سيزوره في البيت الأبيض.
وفيما وجه ترامب تهديداً بتنفيذ عمل عسكري ضد كوبا، أوضح "أن الوقت وحده، سيحدد طول المدة التي سيستغرقها إشراف إدارته المباشر، على فنزويلا ملوحا، بشن عمليات برية ضد عصابات المخدرات". وهي الحجة الواهية، التي يغطي بها أطماع إدارته بثروات وأراضي الدول المجاورة. وادعى في آخر مفاجآته بانه "لو لم نفعل ما فعلناه في فنزويلا، لكانت روسيا أو الصين تسيطر عليها".
ولم ينسى ترامب، جزيرة غرينلاد، فهدد باحتلالها بالقوة، مما دفع الأحزاب السياسية فيها، لإصدار بيان مشترك تعلن فيه أنها "لا تريد ان تكون أميركية". كما لم ينسى في تهديداته العدوانية، من توجيه تهديد لإيران.
كل ذلك والعرب حكاماً وشعوباً نيام، لم تصحيهم جريمة ترامب في فنزويلا؛ ولا تهديداته يميناً وشمالاً؛ ولا إجبار عرب النفط على إعطائه تريليونات الدولارات، التي تحتاجها شعوبهم. على الرغم من أن أذيال أميركا في الغرب، أمثال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، لم يستطع تحمل عنجهية ترامب وسياساته، فوجه له انتقادا وحث العالم "على عدم السماح للنظام العالمي، بأن ينحدر ليتحول إلى (وكر لصوص) يأخذ فيه عديمو الضمير ما يريدون". معتبراً "إن الديمقراطية العالمية تتعرض للهجوم حاليا كما لم يحدث من قبل".
حتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المعروف بتبعيته للإدارة الأميركية، قال "ان الولايات المتحدة تتخلى تدريجيا عن حلفاء لها، في عدوانية استعمارية جديدة".
لكن صمت الأموات سيطر على "جبابرة" السلطات العربية، فحتى الخوف على كراسي الحكم، الذي يرتكب لأجله هؤلاء كل الموبقات، لم يدفعهم لأي ردة فعل، تجاه ما قد يصيبهم، على غرار فنزويلا. فترامب كشف عن شروع إدارته في السيطرة على موارد النفط الفنزويلي؛ وبدء الاستفادة منها، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تستعد للاضطلاع بدور إداري في فنزويلا، لفترة غير محددة. كما أعلن أن بلاده استولت بالفعل، على ما بين 30 إلى 50 مليون برميل، من النفط الخام الفنزويلي.
وبدوره، كشف وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، خطة من ثلاثة مراحل، تتضمن تولي الولايات المتحدة الإشراف الفعلي على بيع النفط الفنزويلي إلى أجل غير مسمى.
وفيما هدد ترامب بشن عملية عسكرية ثانية في فنزويلا، في حال لم تتعاون الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغز مع واشنطن. قال: "ابلغت روسيا والصين اننا لا نرغب بوجودهم في فنزويلا".
لكن صراع الهيمنة وعودة المشاريع الإمبراطورية، جعل روسيا تصدر أول تحذير لها لترامب، عقب حادثة القرصنة التي طالت ناقلة النفط "مارينيرا". إذ صرح أليكسي جورافليوف، نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما، قائلاً: "يجب على الولايات المتحدة مواجهة رد عسكري، يتمثل في الهجوم بالطوربيدات وإغراق السفن الأمريكية. هذه هي الطريقة لوقف حالة نشوة الافلات من العقاب". من دون ان ننسى الحلم الإمبراطوري الروسي، الذي يجعل موسكو تقاتل أوروبا وحلف "الناتو" والولايات المتحدة، في أوكرانيا، بحجة استعادة اراض روسية.
كما كانت فرصة للحزب الشيوعي الروسي، ليصدر بيانا يعتبر فيه ان جماعة أميركا في روسيا" هم خطر على الأمن القومي الروسي. وأن سكوت الحكم الروسي على تصرفات ترامب قد يجعله يفعل ببوتين ما فعله بمادورو.
كما لم يخل الأمر من رسائل صينية، ترسلها تحركات الصين العسكرية حول جزيرة تايوان.
إذاً، ما يجري هو بداية عودة مدوية للإمبراطوريات؛ وتسابق على فرض النفوذ واقتسام الثروات بين القوى العظمى. لذلك يبقى السؤال: هل سيفعل زلزال فنزويلا فعله، فيوقف سبات الحكام العرب وشعوبهم، أم أن الخراف لا تعارض الجزار عندما يحين وقت استثمار لحومها؟
أمريكا وإيران... وحرب الأربعين عامًا _ د. نسيب حطيط
هل تشق "مواجهة حلب" الطريق أمام تطبيق نظام فيدرالي في سورية؟ _ حسان الحسن
عراقجي: السلم يمر عبر فوهة البندقية.. وإيران رَممت ثغراتها