أقلام الثبات
قد تكون قضية "الأمير أبو عمر" أمّ القضايا على طاولة القضاء اللبناني، وقد يكون القاضي جمال الحجار - إذا استكمل مهامه - بطلاً وطنياً لم يعرف لبنان مثيلاً له في تاريخه المعاصر، لأن بين يديه عيِّنة من نفايات الطبقة السياسية، التي ترتكب أقذر الموبقات الأخلاقية في الأداء، وتخطب في الشعب اللبناني بالعفَّة، فيما هذا الشعب يحترق بيته بمَن وبمَا فيه، ويهتم بإطفاء بيوت الآخرين، بدءاً من البيت السوري القريب، إلى أبعد بيت في فنزويلا اختُطٍف منه الرئيس نيكولاس مادورو.
وليعذرنا الرئيس جمال الحجار لو استدركنا بعبارة - لو أكمل مهامه - لأننا اعتدنا على قضاء يشبه بالتمام والكمال اللجان النيابية التي تُعتبر "مقبرة القضايا"، لكن القاضي الحجار سيجد نفسه، ربما، ملزماً في الذهاب بالتحقيق حتى النهاية، لأن "جريمة" انتحال صفة أمير سعودي أفظع وأفدح من مجزرة مرفأ بيروت، ومن كل المجازر التي أزهقت أرواح آلاف الأبرياء على الأرض اللبنانية، في ظل طبقة سياسية تلعق الدولار عن الحضيض، وتلثُم حتى قَدَم "أبو عمر" من أجل أن ترتفع "كعبية حذاء" في سُلَّم السلطة.
وأزمة قضية "أبو عمر" ليست في شخصه، ولا بالشيخ المُتَّهم بالتورُّط معه، بل في هذا الكمّ من النَّهَم لدى ضحايا "أبو عمر"، رغم أن معظمهم يقتات حتى التخمة من المملكة العربية السعودية، وليسوا بحاجة إلى وسيط مع المملكة.
وليس من قبيل الصدفة أن المتورطين الثلاثة البارزين في فضيحة أبو عمر لغاية تاريخه، حاول كلّ منهم فرض نفسه زعيماً للطائفة السنية بعد اعتزال الرئيس سعد الحريري العمل السياسي، لكن المثير للسخرية أن أحد هؤلاء ليس سُنياً، لا بل ليس مسلماً.
أول هؤلاء الثلاثة، لو قال أمام الشعب اللبناني "السما زرقا"، لا أحد يصدِّق كلمة منه، منذ أن كان في تيار "السما الزرقا"، ويُنكر الآن معرفته بأبي عمر، رغم أن السيدة بهية الحريري تلقت التعازي من المذكور عبر هاتف السيئ الذكر.
الثاني، لطالما سعى لوراثة سعد الحريري في زعامة بيروت، وشكَّل كتلة للانتخابات النيابية عام 2022، وعندما صدرت النتائج، وبالكاد نجا بنفسه من السقوط، انقضَّ غضباً بكلمات نابية على ماكينته الانتخابية، ورَفَس طاولات المأدبة الاحتفالية التي كان قد أمر بتجهيزها لأفراد الماكينة.
الثالث، هو المكروه لدى طائفته، لأن مجد زعامته وثروته قد بُنيا على عظام شهداء يُقيم الصلوات عن أرواحهم كل عام، ويستعرض نفسه بالمشعل أمام الأغبياء كزعيم عابر للطوائف، وحاول مراراً مدّ يده إلى صحون الآخرين، ولم تكفِه شيكات المملكة لتمويل أكاذيبه، فاختار شراء رضا "أبو عمر" لمزيد من التسوُّل الوقح.
ليس الشعب اللبناني بحاجة إلى فضائح "جماعة أبو عمر"، لأن غالبية الطبقة السياسية هي كذلك، وهي هي هذه الطبقة العفنة تتهيأ لانتخابات 2026، ربما مع زمرة جديدة مستحدثة من التغييريين، الذين لم يغيروا شيئاً سوى أنهم كانوا في السنوات الأربع الماضية "كمالة عدد"، بوجود رؤوس تمسك بالسلطة حتى آخر رمق، وربما إلى حين يسترد الله أمانته.
الشعب اللبناني مُطالب بالوعي، ولو جاء متأخراً، وهذا الوطن له حدود حافظة للكرامة، ونقطة قوته ليست بضعفه، بل بشعبه الكريم الذي لديه خيارات مقاومة يحسن التكيُّف معها بسلاح المقاومة أو بدونه، وجنوب لبنان وشرقه غير جنوب سوريا وشرقها، لكن على الأقل يجب أن نكون أكثر يقظة أن جنوبنا قد يبقى خنجراً في صدر العدو، لكن وجود جيش هذا العدو في قمم وسفوح جبل الشيخ من الجهة السورية وحتى حدود المصنع مع سوريا، مع اقتران الخطر الصهيوني مع خطر الإرهاب التكفيري، يُلزِم الشعب قبل الدولة باليقظة من صهاينة الداخل وتكفيرييه، وكفانا "تعسكراً" و"تمترساً" من أجل الآخرين، لأن الشعب السوري أدرى بشعاب بلاده، والشعب الفلسطيني كذلك، والشعب الفنزويلي لديه ما يكفيه من ثوار، ولا ينتظر منا أن نستولد له في لبنان أمثال سيمون دي بوفوار وتشي غيفارا وهوغو تشافيز...
بين ثبات الخامنئي وغطرسة ترامب: صراع المبادئ في وجه الهيمنة
حكومة "الهاتف الذكي" تحتفل بتسليم جنوب الليطاني "لإسرائيل"! _ د. نسيب حطيط
هل تتحرك "فلول النظام" من طرابلس وعكار؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ _ حسان الحسن