خاص الثبات
ليس غريبًا أن يخرج علينا أحد عرّابي الرأسمال الأميركي، المدعو توم براك، ليتحدث من على منبر الرئاسة اللبنانية بلغة الاستعلاء والإهانة، موجهًا كلماته للصحافيين اللبنانيين بـمصطلح "الحيونة"، في واحدة من أكثر اللحظات السياسية تعبيرًا عن حقيقة المشروع الأميركي في لبنان والمنطقة: مشروع إذلال، لا شراكة. مشروع وصاية، لا سيادة.
قالها براك على الملأ، ومن قصرٍ يُفترض أن يكون رمزًا للكرامة الوطنية. لم يعتذر. لم يتراجع. ولم ينتفض أحد ممن اعتادوا رفع الشعارات الفارغة عن "الكرامة" و"السيادة" و"الحرية". لا، بل صفق بعضهم بحرارة، وكأنهم تلقوا مكافأة على ولائهم الأعمى للسيد الأميركي، حتى حين يُهينهم أمام العالم.
بين الاحتلال الناعم والصفاقة المعلنة
ما قاله براك ليس زلة لسان، ولا سخرية عابرة. هو تعبير مباشر عن عقيدة متجذرة في العقل الإمبراطوري الأميركي: أن الشعوب مجرد أدوات، وأن الحكومات العميلة مجرّد مكاتب إقليمية لسلطة واشنطن.
وحين تفشل هذه الأدوات في فرض إرادة واشنطن، يُستدعى الكفيل ليؤنبها علنًا، كما فعل براك، وكما فعل آخرون قبله.
لكن اللافت في كل ذلك ليس فقط ما قاله براك، بل صمت المصفقين له. أولئك الذين لو تفوّه مسؤول من محور المقاومة بجزء بسيط مما قاله الأميركي، لأقاموا الدنيا وما أقعدوها، ولخرجوا يتباكون على الصحافة والحريات والكرامات.
هكذا ينطق الإناء بما فيه
ما قاله براك هو انعكاس حقيقي لما يختزنه المشروع الأميركي من احتقار لشعوب المنطقة. وإن كان قد وصف الصحافيين بـ"الحيونة"، فإن السؤال الحقيقي هو:
ماذا عن أولئك السياسيين الذين جلسوا معه وابتسموا له؟
هل اعتبرهم براك فوق "الحيونة" أم دونها؟ وهل سمعوا منه ما لم نسمعه نحن، أم أن الرسالة وُجهت للصحافة كي "تفهم الجارة"؟ كما تقول الأمثال الشعبية؟
الفوضى المصنوعة... ولبنان المُراد
من الواضح أن الرهان الأميركي يتجه اليوم نحو تفجير الداخل اللبناني، عبر جرّ البلاد إلى فوضى تبرر التدخلات وتُعيد خلط الأوراق السياسية. تصريح براك لم يكن مجرد "إهانة"، بل كان مؤشراً على خيبة الأمل من أدوات عجزت عن تنفيذ ما يُطلب منها، ومقدمة لمزيد من الضغوط وربما "الصدمات" المدروسة.
لكن الرهان على الفوضى لن ينجح. ومن يراهن على إهانة اللبنانيين لترهيبهم أو إخضاعهم، فليتذكر أن في هذا البلد مقاومةً لم تُهزم، وشعبًا يرفض أن يكون حارسًا لمصالح الغرب، ولو تحت ألف غطاء دبلوماسي واقتصادي.
ختامًا... من يعتذر لمن؟
الذي يجب أن يُحاسب اليوم ليس براك وحده، بل كل من صمت عن إهانته.
وإذا كان البعض يرى في نفسه عبدًا مأمورًا، فنحن نؤمن أن الكرامة ليست وجهة نظر، وأن من باع صوته وباع كلمته وباع وطنه، لا يملك حق تمثيلنا.
أما أنتم يا من وصفتم بالحيوانات، فلتعلموا أن من يصفكم هكذا لا يحترمكم، لا كأشخاص، ولا كمواطنين، ولا كدولة. فإما أن تردّوا له الصاع صاعين، أو فلتصمتوا إلى الأبد... لأن "الحَيَوَنة" لا تُقابل بالتصفيق، بل بالكرامة.