من عقيدة المحيط إلى "حلف الأقليات": استراتيجية "إسرائيل" لاستغلال التنوع السوري _ د. ليلى نقولا

الإثنين 11 آب , 2025 07:27 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

عُقد المؤتمر الذي نظمته الإدارة الذاتية الكردية في (الحسكة) تحت عنوان: "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا"، بمشاركة ممثلين عن بعض العشائر العربية، إضافة إلى مشاركة افتراضية عبر تقنية الفيديو لكل من شيخ عقل طائفة الدروز في السويداء؛ حكمت الهجري، ورئيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا"؛ غزال غزال.

ودعا البيان الختامي للمؤتمر إلى دستور ديمقراطي يرسّخ التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لا مركزية، تضمن مشاركة حقيقية لكافة المكونات السورية في العملية السياسية والإدارية.

وكما كان متوقَّعاً، رأى النظام الجديد في سوريا أن هذا المؤتمر يريد "إحياء نهج تقسيمي" و"تنفيذ سياسات تغيير ديمغرافي". وعلى هذا الأساس، يرفض المشاركة في أي مفاوضات جديدة مع قسد (وإلغاء المفاوضات التي كان من المزمع عقدها في باريس، والتي لم يكن يريدها اصلاً)، متهماً المشاركين فيه بمحاولة تدويل القضية السورية، واستجلاب التدخل الخارجي.

في المقابل، يرى العديد من السوريين أن المؤتمر هو نتيجة طبيعية لحفظ الذات بعد تورط أفراد ومسؤولين من النظام الجديد بالانتهاكات في الساحل، والأحداث الطائفية في السويداء، والتحريض على قتل الأقليات والمختلفين فكرياً مع السلطة في دمشق. ويرى مؤيدو المؤتمر أنه رسالة لبناء سوريا على أسس المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية، بعيداً عن التهميش والإقصاء الذي يعتمده النظام الجديد في سوريا.

كيف تستفيد إسرائيل من هذا الانقسام السوري؟

كانت عقيدة المحيط (Periphery Doctrine) التي تبنتها "إسرائيل" في سنواتها الأولى، استراتيجية محورية تهدف الى التخلص من العزلة التي فرضتها دول الطرق العربي، وذلك عبر إقامة تحالفات مع الدول والأقليات غير العربية الواقعة في "محيط" العالم العربي. شمل هذا الحلف دولاً مثل إيران (في عهد الشاه)، وتركيا، وإثيوبيا، بالإضافة إلى أقليات عرقية ودينية مثل الأكراد في العراق، والأقليات المسيحية في لبنان، والمسيحيون في السودان. وبتحالفها مع الأقليات غير الإسلامية أو غير العربية كانت "إسرائيل" تهدف الى بناء "حلف أقليات" يخدم مصالح "إسرائيل" الأمنية والاقتصادية.

كانت هذه الاستراتيجية مبنية على قراءة "إسرائيلية" للواقع الإقليمي، مفادها أن تشترك معها في الشعور بالتهديد، ما يجعلهم حلفاء طبيعيين، وبالتالي يمكن التعويل عليهم لاختراق المجتمعات العربية، وزعزعة استقرار الأنظمة المعادية لها من خلال دعم حركات انفصالية أو معارضة داخل الدول العربية، مما يحول دون توحد الصف العربي ضدها.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ترى "إسرائيل" في تصرفات الحكم الجديد فرصة لتعزيز عقيدة الاختراق عبر ادعاء "حماية الأقليات". تستفيد العقيدة "الإسرائيلية" هذه من "عقلية إقصائية وتكفيرية" تسود لدى العديد من المنضوين في الهيئات السورية التابعة للحكم الجديد، خصوصاً أولئك القادمين من الخارج، والذين يستند إليهم النظام في فرض سيطرته على الأرض وإخضاع معارضيه.

من هنا، إن النظام السوري الجديد مدعو للانفتاح على جميع مكوّنات الشعب السوري، لأن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي آليات عملية وتطبيقية ودستورية تحفظ حق جميع المواطنين في تقرير مصيرهم.
إن سيادة شعار "مَن يحرر يقرر" التي يطلقها مؤيدو الحكم الجديد لن تؤدي إلا إلى استمرار حالة الضعف والفوضى، مما يتيح للقوى الخارجية التدخل بشكل مباشر وغير مباشر، وصولاً إلى سيناريوهات تقسيم قد تكون لها عواقب وخيمة على مستقبل سوريا ووحدة أراضيها.

كذلك بات على عاتق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، مسؤولية الانخراط بفعالية في عملية سياسية تهدف إلى صياغة دستور جديد يضمن حقوق الجميع، ويُعزّز المواطنة المتساوية، ويكون أساساً لحكم ديمقراطي وعادل يحمي التنوع السوري، ويتجه الى عدالة انتقالية حقيقية تنقل سوريا من الاقتتال الى بناء السلام والازدهار.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل