الحكم العطائية ... "إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه"

الخميس 28 تشرين الثاني , 2019 03:59 توقيت بيروت تصوّف

الثبات - التصوف

 

"إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه"

 

البلاء يعينك على أن تبني حبك لله على أسس سليمة، وقلنا أنَّ من هذه الأسس تأملَ أسماء الله وصفاته، البلاء يعينك على فهم هذه الأسماء والصفات.

لأنَّ الفهم عن الله يقتضي وجود المعرفة به ولا تكون المعرفة كاملة حتى يكون صاحبها يعرفه في الجلال والجمال، والمنع والعطاء، والقبض والبسط، وأما إن كان لا يعرفه إلا في الجمال فهذه معرفة العوام؛ الذين هم عبيد أنفسهم فإن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا، إذا هم يسخطون.

وأيضاً من ثمرات المعرفة التسليم والرضا لما يجري به قضاء الله ومن ثمرات المحبة والهوى الصبر عند الشدائد والبلوى:

تدّعى مذهب الهوى ثم تشكو ... أي دعواك في الهوي قل لي أينا

لو وجدناك صابراً لهوانا... لأعطيناك كل ما تتمنا

فلا يكون المحب صادقاً في محبته، ولا العارف صادقاً في معرفته حتى يستوي عنده المنع والعطاء، والقبض والبسط، والفقر والغنى، والعز والذل، والمدح والذم، والفقد والوجد، والحزن والفرح، فيعرف محبوبه في الجميع كما قال القائل حبيبي ومحبوبي على كل حالة، ويرضى ويسلم له في الجميع، فإن لم يجد ذلك عنده سواء، فلا يدعي مرتبة العشق والهوى فيعرف قدره ولا يتعدى طوره، فمن ادعي ما ليس فيه فضحته شواهد الإمتحان ولابن الفارض رضي الله عنه:

فإن شئت أن تحيا سعيداً فمت به ... شهيداً وإلا فالغرام له أهل

يا عبد تأمل: إنَّ لحياتك معنى غير المعنى الذي يظهر لك، وإنَّ للوجود حقيقة وظلالاً، فالتمس الحقيقة، ولا تكن من {الذين يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}. يسير التائه في البيداء فيشتد به الظمأ ويمسه اللغوب، فيرى جناتٍ وأنهاراً، ويتوهم عصاً منتصبة في الصحراء، يطمع في أن يلقي عليها ثيابه ليقيل، فإذا هي حية تلتهم كل طائر يأوي إليها ليرتاح من وهج الظهيرة، ويقلب الطرف فإذا الجنات سراب بقيعة.. يشتد بك الظمأ، فترى الهلاك رأْي العين.. وتتبين أن ما كنت تظنه جنات تمنحك اللذة، ليس غير أوهام وقبض ريح.. وما اللذة؟ شتان ما بين لذة تورث غصة، ولذة تفتح لك باب السماء.. للمعصية مرارة هي أشد مرارة من العلقم، لا تجدها في لسانك فحسب، بل هي تسري إلى مسامك، وتنغص عليك كل لذة.. وللطاعة حلاوة لا تقاس بها حلاوة.. كلما كابدت عرفت.. انظر إلى ذلك المتسلق جبال الهملايا بحثًا عن قمة إفرست، كم من العناء يكابد، وكم من الوخز يصيبه، وكم يتردد بصره بين السماء والأرض، حتى إذا أدرك القمة تنفس قائلا: يا ألله! لا شيء هو أعلى.

فأي لذة يدركها آنذاك بعد طول عناء؟ فكذلك السائر في طريق النور.. تعترض طريقه الأشواك فتدميه، وتريد مخالب الشهوة العابرة أن تتخطفه فيصبر.. حتى إذا نظر إليك ربك بعين المرحمة امتدت يد إليك تهديك إلى برد وظلال.

 


مقالات وأخبار مرتبطة
الانتخابات الجرائرية
بــالـمـنـــــامــــــة.. أشباه رجال دين  بـاعــوا فلسطـــين
انتفاضة 1987.. عندما تكلم الحجر
كيف تعرف أهل الحق فــي زمــن الفـتـن؟
من ذاكرة التاريخ

عاجل