سلسلة أسماء الله الحسنى ... اسم الله "المُهيمن"

الأحد 10 تشرين الثاني , 2019 06:36 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

الثبات - إسلاميات 

 

اسم الله "المُهيمن"

 

قال الله تعالى: {ُوَاللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

معنى اسم الله المهيمن:

(المهيمن) جل جلاله: هو الموصوف بمجموع صفاتٍ ثلاث:

أولها: العلم بأحوال الشيء.

الثاني: القدرة التامة على تحصيل مصالح ذلك الشيء.

الثالث: المواظبة على تحصيل تلك المصالح، فالجامع لهذه الصفات كلها اسمه (المهيمن)، ولن تجتمع على الكمال إلا لله سبحانه؛ فلا يكون مهيمناً مَنْ لم تكن لديه هذه الصفات.

(المهيمن) جلَّ جلالُه: القائم على خلقه في كل أمورهم وشؤونهم، المطَّلع على خفايا أمورهم، وخبايا صدورهم، الشهيد عليهم بأعمالهم، الرقيب على أقوالهم وأفعالهم وتصرُّفاتهم.

"وإنما قيامه عليهم باطِّلاعه واستيلائه وحفظه، وكل مشرفٍ على كُنْهِ الأمر مستولٍ عليه حافظ له، فهو مهيمنٌ عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى الفعل، فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله عزَّ وجلَّ ".

"وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، تقول: هيمن فلان على فلان إذا صار رقيباً علي.

متى قرأتَ قصص القرآن الكريم، رأيتَ تَجَلِّي اسم الله (المهيمن)، لما أراد الله تعالى إهلاك فرعون وقومه، والتمكين لموسى في الأرض.

قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}؛ لكن كيف لأمٍّ أن تُلقيَ فلذة كبدها وثمرة فؤادها في اليم؟

الجواب: المهيمن (جل جلاله) هيمن على قلبها، فقذف فيه صبراً وسكينة؛ فأطاعت وألقت طفلها في التابوت، ثم ألقته في اليمِّ!

ثم كادت أن تُبديَ به، لولا أنَّ هيمن الله على قلبها كذلك فكتمته، كما قال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، ثم هيمن الله على ذاك التابوت؛ فاستقرَّ عند قصر فرعون، فأراد الحرس قتل موسى، فهيمن الله على قلب امرأة فرعون؛ فخرجت قائلة لفرعون وجنوده:{وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، وهيمن الله تعالى على فرعون، فخرج من جبروته وطغيانه لحظة أطاع فيها زوجته، ولبَّى رغبتها، ليربيَ بذلك عدوه في بيته!

ثم لما أراد الطفل (موسى) عليه السلام الرضاع، هيمن الله على قلبه؛ فأبى أن يلتقم ثديَ امرأةٍ إلا أمَّه، كما قال عزَّ من قائل: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون}.

فحين يهيمن المهيمن جلَّ جلاله على القلوب والعقول، والأحوال والأمور، تستشعر قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

 

كيف نتقرَّب إلى الله باسمه (المهيمن)؟

 

١- أن نعتصم به وحده، ونعتمد عليه وحده، ونلجأ، ونركن إليه وحده:

إذا عَلِمَ العبد أن لله جلَّ جلاله الهيمنة الكاملة، والإحاطة العظيمة والسيطرة التامَّة، فكيف يلتفت إلى غيره؟ وكيف يتعلَّق قلبُه بسواه؟

والمتأمِّلُ لدعاء السفر الذي علَّمنا إيَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجلَّى له أثرٌ عظيمٌ من آثار اسم الله (المهيمن)، علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن نقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل".

 

جلالك يا مهيمن لا يبيد ... وملكك دائمٌ أبدًا جديدُ

وحكمك نافذٌ في كلِّ أمرٍ ... وليس يكون إلا ما تريد

وبابك معْدِنٌ للجود يا مَن ... إليه يقصِد العبدُ الطريد

 

 

٢- أن نستشعر رقابته تعالى في سرِّنا وعلانيتنا:

فمن عرف الله (المهيمن)، وعرف أنه شاهدٌ على خلقه بما يصدر منهم من قولٍ أو عملٍ، وعرف أنه تعالى لا تغيب عنه غائبة، ولا تعزب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض؛ راقبه في السرِّ والعلن، وابتعد عن كل ما يسخطه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فإن ضَعُفَ يومًا ووقع فيما يُغضب الله، سرعان ما سيعود إلى الله؛ قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.

 

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ

ألم ترَ أن اليوم أسرع ذاهبٍ ... وأن غداً للناظرين قريبُ

 

٣- أن يستشعر العبد هيمنة علَّام الغيوب على القلوب:

اقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ يصرفه حيث يشاء".

فالإنسان إذا امتلك أسباب الدنيا كلها ليهيمن على قلب آخر، ما استطاع؛ لأنَّ قلوب العباد بيد رب العباد سبحانه وتعالى، فلا يجهدن العبد نفسه في كسب وُدِّ الخَلْق ورضاهم، ولا يسعين لتعلوَ مكانتُه في قلوبهم، وأرْضِ المهيمن جلَّ جلالُه، يُرْضِ عنك عبادَه.

٤- أن يعيش العبد هادئاً مطمئناً، متوكِّلاً عليه وحده، واثقاً فيه وحده:

فإذا عرف العبد أنَّ الله هو المهيمن انقطعت آماله ممن سواه، فلا يتوكَّل إلا عليه، ولا يثق إلا فيه، ولا يستعين إلا به، ولا يلجأ إلا إليه، ومن كان هذا حاله، عاش هادئاً مطمئناً، وانتقل من خيرٍ إلى خير، ومن رُقيٍّ إلى رُقيٍّ؛ لأنَّه إنما يعيش في كنف المهيمن جلَّ جلاله ولن يصيبه إلا ما قد قدَّره له.

٥- أن يكون العبد شجاعاً في الحق، يصدع به، ولا يخاف في الله لومةَ لائمٍ:

لأنَّ المهيمن جلَّ جلاله يدفعه أن يتقوَّى بقوته، ويتعزَّزَ بعِزَّته، ويعمل في سبيل مرضاته غيرَ مُبالٍ بأحدٍ.

٦- أن ندعوَ الله تعالى باسمه (المهيمن):

كأن يقول العبد مُناجياً ربَّه: أسألك اللهمَّ باسمك المهيمن أن تؤمِّنَني من كل خوف، وتؤمِّنَ قلبي من كل ريبةٍ وشكٍّ، وتؤمِّن عقلي من كل ضلالٍ وزيغ.

 

 

 


مقالات وأخبار مرتبطة
الانتخابات الجرائرية
كيف تعرف أهل الحق فــي زمــن الفـتـن؟
مخطـطــات تهـويـديـــة في القدس والضفة الغربية
خلف الحبتور: العرب واليهود أبناء عمومة لا يجوز أن يتقاتلوا!
من ذاكرة التاريخ

عاجل