هارون الرشيد.. خليفة عادل أم رجل أغوته الشهوة والسلطة ؟

الثلاثاء 29 تشرين الأول , 2019 01:46 توقيت بيروت ثقافة

الثبات ـ ثقافة

لم تخلُ مصادر من التراث الأدبي العربي من روايات وصفت هارون الرشيد بالخليفة اللاهي الغارق في شهواته، العاشق للسهرات، المحب للشراب والخمر، ولعل على رأسها كتاب "الأغاني" لمؤلفه أبي الفرج الأصفهاني الذي تناثرت في كتابه الضخم حكايات وقصص تكشف هذا الجانب من شخصية هارون الرشيد. 

وإذا كان كتاب "الأغاني" قديما قد جاء لنا بهذه الصورة لهارون الرشيد، فإن كتاب "ألف ليلة وليلة" حديثا لم يختلف عن ذلك، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، لكن ما يجب لفت الانتباه إليه أن هذه المؤلفات لا تثبت أمام النقد التاريخي الجاد؛ بل إن بعضها صرّح بأن هذه الروايات التاريخية إنما وُضعت للتسلية وكثير منها كذب مختلق، خصوصا إذا عرفنا أن كتاب "ألف ليلة وليلة" مترجم عن كتاب فارسي اسمه "الهزار أفسان" أي الألف خُرافة، ويؤكد شوقي أبو خليل أنه جاء في كتاب "مختار الأغاني" في الجزء الرابع ما يدعم ذلك؛ حيث أكّد أن "قسما من تاريخنا مصدره قليلو العلم أو رقيقو الدين الذين يُطلقون فيضا من الأكاذيب، ويختلقون ركاما من الافتراءات، ويمرّ الزمن فيختفي القائل، وتنطمس المعالم.

 على أن الثابت والصحيح من مجالس الرشيد أنها كانت إما مجالس لإدارة شؤون الدولة ورفع المظالم والنظر فيها، وإما مجالس يحضرها العلماء والشعراء ممن يُستفاد منهم في ذلك العصر، وتُعقد بينهم المناظرات التي كان الرشيد يستمتع بها، ويُقبل عليها بكليّته، وقد ثبت أن الإمام الشافعي ناظر عددا من الفقهاء في حضرة هارون الرشيد وتفوق عليهم، وقد أحبه هارون وقرّبه كما قرب الإمامين الكبيرين محمد بن الحسن الشيباني والإمام أبا يوسف تلميذي الإمام أبي حنيفة.

فقد كان الشافعي كثيرا ما يتردد على بعض مجالس الرشيد حين كان في بغداد قبل الانتقال إلى مصر، فقد أخبرنا الإمام والمؤرخ ابن الجوزي أن الشافعي دخل يوما إلى بعض حجر هارون الرشيد استأذن له عَلَيْهِ فأقعده الخادم عند أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد، قال لَهُ: يا أبا عبد الله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين وهذا مؤدّبهم (معلمهم)، فلو أوصيتَه، فأقبل على أبي عبد الصمد، فقال لَهُ: ليكن أول ما نبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم مغفورة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم فيهجروه، ثم زدهم من الشعر أعفه/ ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يتقنوه، فإن ازدحام الكلام في المسمع مصد للفهم.

أما الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة فقد قرّبه هارون الرشيد وعيّنه قاضيا للقضاة، وحرص على التقرب منه والاستفادة من علمه الواسع، وكان يطلب إليه كتابة عدد من المؤلفات الشرعية التي تزيل الغموض واللبس، وتساعد رجال الإدارة العباسية في أعمالهم، وقد امتثل أبو يوسف للرشيد حين ألّف كتابه الشهير "الخراج"، وبيّن في مقدمة كتابه هذا أنه كتبه امتثالا لأمر أمير المؤمنين هارون الرشيد.

وقد أجمع جل المؤرخين على أنه أعظم خلفاء بني العباس شأنا وذكاء وعبادة وقيادة، حتى قال فيه الطبري وابن العمراني وابن خلدون والعماد الحنبلي وغيرهم إن هارون "كان يصلّي في كلّ يوم مئة ركعة نافلة، وكان يغزو عاما ويحجّ عاما"[16]. وهو الخليفة الذي استطاع إخماد الثورات والمشكلات الداخلية التي كانت تهدد الدولة ووحدتها، وحرص على تعيين أمهر الرجال وأفضلهم في مواقعهم الإدارية والعسكرية، وواجه كل من حاول تقسيم الدولة بالخروج عليها كما فعل مع عدد من كبار العلويين، واشتهر عنه الورع والصبر على الطاعة، والعمل على راحة الرعية، حتى إنه توفي في طريقه أثناء ذهابه لقمع ثورة قامت ضده، وكانت السبب الأكبر في اختلال الأمن في منطقة خراسان فدُفن في طوس (مدينة مشهد الإيرانية اليوم) سنة 193هـ/808م .

 ومهما يكن من سيرته فإن شخصيته ستظل موضع نزاع بين مؤيديه ومعارضيه، إما لأغراض سياسية أو حزبية مذهبية، والله أعلم.

انجازات هارون الرشيد

– كان أول خليفة عباسي يتسلم قيادة جيش الغزوِ بنفسه دون أن يوكلها لشخص آخر

– حقق هارون الرشيد النهضة العلمية والأدبية في العصر الذي كان يعيش فيه حيث اقترب من الشعراء وأهل العلم والأدباء في مجالسه التي كان يجلسها.

– قام بتطوير نشاط التجارة الخارجية وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات السياسية بين الدولة العباسية وممالك أوروبا وأهدى هارون الهدايا القيمة والمميزة إلى الإمبراطور شارمان.

– تولى الخلافة العباسية وكان عمره خمسة وعشرين سنة وكنيته كانت أبي موسى ثم أبي جعفر.

– شهد عدد من الغزوات والوقائع مع ملوك الروم، وكانت جزيتهم تأتي إليه من القسطنطينية طوال فترة حياته.

– كان هارون الرشيد صاحب حادثة البرامكة التي تمكن من القضاء عليهم خلال ليلة واحدة.

أعمال هارون الرشيد

– كان له دو في اتساع رقعة الإسلام بعدما قام بفتح الكثير من البلاد.

– قام بنشر الأمن في البلاد، وازداد الرخاء، وكثر الخير في عهده.

– كان أول خليفة يلعب بالكرة والصولجان.

– كان يحرص على أداء الطاعة والعبادة حيث قال الخطيب البغدادي أن بعض أصحابه قالوا أن هارون كان يصلي في كل يوم مئة ركعة واستمر على ذلك حتى فارق الحياة.

– كان يتصدق كل يوم بألف درهم وكان يؤدي فريضة الحج ويأخذ معه مئة من الفقهاء وأبنائهم وعندما لا يحج كان يرسل إلى الحج ثلاثمائة رجل وينفق على حجتهم ويحضر لهم لبس الحج.

– قام بإنشاء أكبر مستشفى في عصره وأطلق عليها “مستشفى الرشيد” في بغداد، وكانت تضم أمهر الأطباء وتولى إدارتها يوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع وكانت أشهر مستشفى في العالم القديم


مقالات وأخبار مرتبطة
أسبُوع الوَحدة الإسلاميَة
ذكْرى المَولدُ النَبويُ الشَريف
غزة هاشم.. مُرابطون يصنَعون الانتصَار َ
لبنان لحظة بلحظة
من ذاكرة التاريخ

عاجل