حرب أميركية –"إسرائيلية" ناعمة وحارة على لبنان - عدنان الساحلي

الجمعة 30 آب , 2019 12:20 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

 

متى عرف سبب الضغوط الأميركية على مؤسسة "ستاندرد أند بورز" لتأخير إعلان تصنيفها الإئتماني للبنان ستة أشهر، بطل العجب من وضع الإدارة الأميركية المصرف اللبناني "جمّال ترست بنك" على لائحة الإرهاب الأميركية، فهي حلقة جديدة من العقوبات الأميركية ضد لبنان واللبنانيين، لإجبارهم على الخضوع للإملاءات "الإسرائيلية"، في وقت تتكامل فيه حلقات الضغط السياسي والإقتصادي والأمني أميركياً و"إسرائيلياً" وتتسابق لفرض خيارات على لبنان، باتت معروفة للقاصي والداني.

هو مسلسل تتالى حلقاته. ففي حين خفضت مؤسسة "فيتش" تصنيفها للبنان، صدر التقرير المنتظر لمؤسسة "ستاندرد أند بورز" وأبقت فيه تصنيف لبنان على حاله (B-)، مع إشارة إلى أن هذا التصنيف المنخفض، سيخفض بعد ستة أشهر، إذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بما وعدت به من "إصلاحات" اقتصادية، في إبتزاز واضح ستبين الأيام المقبلة ما هو ثمنه المطلوب وهل سيكون في "الإجراءات غير الشعبية" التي يتحدث عنها كبار الفاسدين في الدولة.

 جاء ذلك بعد أن قامت وكالة "موديز" مطلع العام الحالي، بتخفيض تصنيف لبنان الإئتماني. كما قامت وكالتا التصنيف "ستاندرد أند بورز" و"فيتش" بتعديل نظرتهما إلى لبنان إلى سلبية. وجرى التهويل على اللبنانيين بأن البلاد على شفير الإفلاس في وقت كان يتم العمل على تمرير سلة من الضرائب وإجراءات التقشف، تطال الموظفين ومحدودي الدخل ولا تصيب الأثرياء، خصوصاً أصحاب المصارف المستفيدون الأوائل من السياسة الإقتصادية الريعية المتبعة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

وهذه الإجراءات الأميركية، ليس مصادفة أن تسبق أو تأتي مباشرة بعد تصعيد "إسرائيلي" تمثل باعتداء على لبنان، نفذته "مسيرتان" في ضاحية العاصمة بيروت. فالأهداف الأميركية –"الإسرائيلية" باتت أكثر من أن تعد. وهي تتراواح بين السعي لإنجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في الإنتخابات التي ستجري بعد أسابيع ولو تم ذلك باعطائه "إنتصارات" على أعدائه، وصولاً إلى الزام لبنان بخطوط ترسيم حدوده الجنوبية وفق المصلحة "الإسرائيلية". وليس آخراً، الإستيلاء على ما أمكن من ثروة لبنان النفطية والغازية المكتشفة قبالة شواطئه، وصولاً إلى جره ليكون "نعجة" في تعامله مع مشروع الهيمنة الصهيوني على المنطقة.

ويبدو أن الهدف من تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني، أنه يؤدي إلى  تدهور قدرة الدولة على سداد مستحقاتها وديونها ومطالبة المستثمرين بفوائد أكثر ارتفاعاً على سنداتها؛ وبالتالي الغرق أكثر في سياسة الإستدانة، تقابلها فرض ضرائب مصحوبة بسياسة تقشف على الشعب. وهذا أحد الوجوه الكالحة للسياسة الإقتصادية المتبعة، المستندة على الإستدانة وعلى تسليم البلاد والعباد للمصارف التي حققت أرباحاً خيالية خلال العقود الماضية، زادت ما بين عام 1993 حتى عام 2018 عن ال 22 مليار دولار، في حين يرزح لبنان ومعظم شعبه تحت شبح الفقر وسراب الهجرة بحثاً عن لقمة العيش.

لذا، بات من الثابت أن النظر بشمولية لكل ما يتعرض له لبنان، وحده الكفيل بقراءة صحيحة وغير مضللة لما يجري، فتوريط لبنان بديون تفوق قدرته على خدمتها وليس على سدادها فحسب، أمر لم يأت من فراغ. والإستمرار في هذه السياسة هو برنامج معد ومعلن عنه، لإجبار اللبنانيين تحت ضغط الفقر والحاجة، على القبول بالإستسلام لمفاعيل المشاريع الأميركية المخصصة لخدمة الكيان "الإسرائيلي": من "التطبيع" إلى "الشرق الأوسط الجديد" إلى "صفقة القرن" وما سبقهما وما قد يليهما من مشاريع تفرض هيمنة "إسرائيلية" مطلقة على البلدان العربية؛ وخضوعا عربياً مطلقاً على غرار تحويل المملكة السعودية إلى بقرة حلوب، تقدم أموالها للأميركي وتفتح أبوابها ل"الإسرائيلي" وتحارب اليمن وغيره بأوامر أميركية ومشاركة "إسرائيلية" واضحة.

هذه السلسلة التي تشد الخناق على اللبنانيين، استكملت بالتلويح بفتح الحرب مجدداً على العملة اللبنانية، في مضاربة غير بريئة أوصلت الدولار إلى 1565 ليرة. وذكرتهم بما تعرضوا له في ثمانينات القرن الماضي، عندما أدت المضاربة  إلى رفع قيمة الدولار من سبع ليرات عام 1984 إلى حدود 1700 ليرة خلال ست سنوات. وكان الهدف السياسي الإطاحة بحكومة عمر كرامي والأتيان برفيق الحريري رئيساً للحكومة. وعندما تم ذلك، كان الثمن استقرار الدولار على 1500 ليرة منذ ذلك الوقت. فما هي اللعبة التي تجري حالياً تحت ستار "وجود توجّه لدى دول عربيّة لتحويل ودائع ماليّة إلى المصارف اللبنانيّة خلال الشهرين المقبلين". هل هي العصا الأميركية والجزرة الخليجية؟ خصوصاً أن كل ذلك يسابق اللقاء الذي دعا إليه رئيس الجمهورية في بعبدا الإثنين المقبل، بهدف وضع خطة للإصلاح الإقتصادي!

لا يقتصر الأمر على هذه الجوانب، بل أن هناك دلائل عديدة تؤكد تعامل الإدارة الأميركية مع لبنان بمونة وتدخل في شتى شؤونه السياسية والمالية والأمنية وحتى في التعيينات، تحت حجة متابعة العقوبات المفروضة على حزب الله. فالاقتصاد من أدوات السياسة والعكس صحيح والأقوى يدير اللعبة، فكيف إذا كان الأميركي يسيطر على هذين الركنين معاً، في حين يتحصن الشرفاء في لبنان بثلاثيتهم الذهبية: "جيش، شعب ومقاومة".

 

 


مقالات وأخبار مرتبطة
الإنتخابات الرئاسية التونسية ٢٠١٩
قصف أرامكو يكشف "هشاشة" السعودية عسكرياً ويهز ثقة العالم بها
٣٧ عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا
الإعدام للعملاء

عاجل