هل ينجح جنبلاط بإلغاء ارسلان؟ ـ عدنان الساحلي

الجمعة 09 آب , 2019 10:35 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

فشلت كل المساعي لوضع حادثة بلدة البساتين الدموية على سكة الحل القضائي، حتى الساعة. وفشلت معها الجهود للم شمل الحكومة الحريرية المتوقفة عن الإجتماع، إذ يخشى رئيسها أن يتحول لقاؤها إلى إقتراع على تحويل القضية على المجلس العدلي، فيدان حليفه وليد جنبلاط بجرم استخدام العنف المسلح والقتل عمداً في قضية سياسية محلية، قد تكون باباً لمحطات أخرى من الصدامات الدموية داخل الطائفة الواحدة، ما لم تصل إلى خلاصات تختم الجراح على تفاهمات تعيد الأمور إلى سياقها التاريخي، بين الزعامتين الدرزيتين التقليديتين المتوارثتين، وليد جنبلاط وطلال ارسلان، خصوصاً في ظل إطلالة "الطوابير الخامسة" برأسها، عبر بيان السفارة الأميركية، المسيء للدولة وللسيادة الوطنية.

وترى أوساط متابعة عن قرب، أن عناصر الحزب التقدمي الأشتراكي تحركوا في الشكل في "البساتين"، ضد الكلام الإستفزازي الذي صدر عن الوزير جبران باسيل، لكن تحركهم في الجوهر كان ضد الآخر الدرزي أي طلال ارسلان، لأن باسيل كان سيحل ضيفاً على ممثل ارسلان في الحكومة الوزير صالح الغريب وعلى عمه شيخ العقل نصر الدين الغريب، رأس الحالة الدينية الدرزية الارسلانية، أو "اليزبكية" حسب التوصيف القديم للإنقسام الدرزي التقليدي، الذي حاول جنبلاط خلال سنوات الحرب الماضية تخطيه وتوحيد عامة الدروز تحت زعامته. وترجح الأوساط أن إشكال البساتين-قبرشمون جاء في هذا السياق، إذ أن الحراك الارسلاني مدعوماً بتحالفات، تستنسخ تحالفات جنبلاط السابقة، التي ساعدته على اضعاف الحالة الارسلانية، لا يهدد الأحادية التي يسعى جنبلاط اليها فحسب، بل لعله يهدد زعامة إبنه ووريثه تيمور، خصوصاً مع رفض الأخير لهذه الوراثة وتفضيله الابتعاد عن العمل السياسي. وهذا ما يفسر غيابه شبه الكلي عن التدخل أو التصريح حول كل ما جرى مؤخراً.

تضيف الأوساط، قبل الحرب الأهلية التي فجرها حزب الكتائب عام 1975 بحادثة عين الرمانة الشهيرة، كان الثقل الجنبلاطي مركزأً في منطقة الشوف و"عاصمته" الحزبية المختارة، في حين كانت منطقة عاليه وجردها مجيرة للزعامة الارسلانية ومركزها مدينة الشويفات. لذلك عندما قرر الراحلان كمال جنبلاط ومجيد ارسلان التحالف في وجه "الجبهة اللبنانية"، في انتخابات 1972، كانت الحصة الجنبلاطية نائباً واحداً، هو المرحوم توفيق عساف، من أصل اللائحة الخماسية. لكن حياد الزعامة الارسلانية في مراحل الحرب، رغم صعود "القوات اللبنانية" خلف الدبابات "الإسرائيلية" إلى الشوف وعاليه، خلال الإجتياح الصهيوني للبنان، جعل الكفة تميل لصالح الحالة الجنبلاطية المنظمة في الحزب التقدمي الإشتراكي، خصوصاً مع تحالف الأخير مع أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وسوريا وجيشها، الذي قاتل مع هذه القوى ضد الغزو الصهيوني. وهذه القوى مجتمعة هي التي تولت طرد "القوات اللبنانية" من الجبل، خصوصاً في معركة بحمدون الشهيرة. وفتحت طريق البقاع باتجاه بيروت.

تتابع، استفاد الحزب الاشتراكي من هذا التغيير الاستراتيجي لتغيير معادلات الجبل، إذ أن الاحزاب الوطنية استقطبت الكثير من كوادر ونخب العائلات الارسلانية، في ظل الحرب المستعرة (خصوصاً الحزبين القومي السوري والشيوعي) مما أوجد مناخاً مؤاتياً "للاشتراكي" داخل تلك العائلات، أتاح له استنزاف الحالة الارسلانية، بحيث بات جميع وزراء ونواب الحزب الاشتراكي في العقود الماضية، من "الارسلانيين"، باستثناء "جنبلاطي" واحد هو وائل أبو فاعور. وحالياً بات أبو فاعور وهادي أبو الحسن الوحيدان من أصول "جنبلاطية" في التمثيل النيابي والوزاري لجنبلاط.

هذا التغيير جعل مختلف القوى في لبنان تعترف لجنبلاط بأنه يمثل 70 في المائة من الدروز، في حين يمثل أخصامه كطلال ارسلان ووئام وهاب وفيصل الداود 30 في المائة. لكن ارسلان ورفاقه المذكورين، لم يناموا على الضيم، بل وقفوا يواجهون، خصوصاً ارسلان، الذي أسس حزباً ويشارك بجبهة سياسية تشبه التحالف الذي حقق فيه جنبلاط الغلبة عليه. فارسلان (الذي تجمعه صلة قرابه مع جنبلاط) يستند إلى تحالف سياسي مع سورية وحزب الله؛ وتحالف انتخابي مع "التيار الوطني الحر" أي "العهد". وقد استعاد ارسلان قوته الإنتخابية الراجحة في الشويفات والجوار، في آخر انتخابات بلدية. وجاء قانون الانتخابات النسبية والصوت التفضيلي، ليسقط سيف جنبلاط الانتخابي النيابي المسلط على ارسلان، الذي فاز بقوته وأصواته في دائرة عاليه. ولو رضي "الثنائي" الشيعي إضعاف جنبلاط لجير بضع مئات من الأصوات كانت كافية لفوز وئام وهاب في الشوف. ومثلها للإتيان بنائب غير جنبلاطي في بيروت. وربما كان التغيير يطال دائرة حاصبيا. ولم يمنع هذا من حصول ارسلان على ثلث التمثيل الوزاري الدرزي مع مطالبته بمثلها من التعيينات الادارية.

وترى الأوساط أن اصرار جنبلاط على تحويل حادثة "البساتين" الدموية إلى قضية أمنية صغيرة، مع تكبير حجمها السياسي بحيث تستنهض كل تحالفاته الداخلية والخارجية، من 14 آذار الى الاميركيين والسعوديين، هي لاحراج حلفاء ارسلان ودفعهم للتخلي عنه، فيحقق جنبلاط غايته بالتفرد بالزعامة الدرزية. ومن هنا جاء اقتراح ارسلان بالاحتكام لكبار مشايخ الدروز وهم الذين لم تطالهم رياح تغيير الولاءات، ليثبتوا ارسلان قطباً في زعامة درزية متعددة الرؤوس. فهل ينجح جنبلاط في الغاء ارسلان، أم يخسر معركته فيخسر معها، ربما، المستقبل السياسي لوريثه تيمور؟

    


مقالات وأخبار مرتبطة
٥٠ عاماً على إحـْـراق المَسْجد الأقصَى  المُبَارك
بَعد أن أدوا منَاسِك الحَج  يُكحلون عيُونهم بزيَارة  رَوضة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
سيشاهد العالم البث المباشر لتدمير ألوية «العدو»
"إرهاب الدولة" يحاصر السعودية ويهدد مستقبلها

عاجل