التوافق الروسي الصيني جدار منيع ضد الهيمنة الأمريكية

الأربعاء 24 نيسان , 2019 10:17 توقيت بيروت مقالات مختارة

الثبات ـ مقالات مختارة

في الثاني من شهر أكتوبر تشربن الأول لعام 1949 أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية، أي في اليوم الثاني لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في 1 أكتوبر من نفس العام، مما يعني ذلك الكثير لكلا الدولتين التي تربطهما أواصر الصداقة وحسن الجوار منذ 400 سنة خلت. ومع مرور الوقت هاهي العلاقات الروسية الصينية تسير بخطى ثابتة ووتيرة متسارعة نحو الأفضل إلى أن وصلت للمستوى الاستراتيجي الذي يرمي إليه البلدين، حسب أولويات السياسة الخارجية لكلا الطرفين، بفضل الإرادة القوية لرئيسي البلدين- السابقين والحاليين. بل أنني أجزم على أن هذه العلاقات تنامت وتضاعفت في ظل القيادة النبيهة للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ.

في الوقت الراهن، وفي ظل سياسة الغطرسة والهيمنة التي تنتهجها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دولاند ترامب، من خلال انتهاج استراتيجيات الترهيب والتهديد وفرض العقوبات الحروب التجارية على البلدين، نلاحظ تجاذبا وتقاربا بارزا بين موسكو وبكين سياسيا وتجاريا وعسكريا، بل وفي كل المجالات، تجلى ذلك باتفاقيات مبرمة بين الطرفين في عدد من المناسبات وفي مقدمتها خلال تبادل الزيارات على أرفع المستويات بداية بالمستوى الرئاسي.

في إحدى اللقاءات الإعلامية صرح السفير الروسي المفوض فوق العادة لدى الصين أندريه دينيسوف: "على خلفية العلاقات غير المستقرة مع بعض الدول الغربية، فإن الشراكة الإستراتيجية الروسية - الصينية تتطور بشكل مطرد وتدريجي وهي نموذج للعلاقات المثالية  بين الدول. كما إن العلاقات الروسية الصينية الحالية هي الأفضل في تاريخ البلدين، وإن الطرفين واثقان من  الإمكانات الهائلة المُتاحة لديهما لتنميتها".

تعد روسيا والصين أكبر القوى المجاورة، ولديهما حدود مشتركة بطول أكثر من 4 آلاف كيلومتر، ومن المهم والموضوعي لكليهما ضمان أن تظل المنطقة مبنية على حسن الجوار والصداقة والتعاون، وأن التقارب والتمازج في كثير من الأحيان لمصالحهما في السياسة الخارجية يحددان التفاعل الوثيق في الساحة الدولية، مما سيشكل حصنا منيعا ودرعا واقيا وجدارا صلبا أمام قوى الهيمنة الأميركية التي يحاول ترامب فرضها على العالم برمته، وذلك واضح للجميع من خلال المواقف والقرارات السلبية التي تصدرها أميركا، حتى على مستوى هيئة الأمم المتحدة، وأذكر على الخصوص قضايا حساسة جدا ومنها: - نقل السفارة الأمريكية إلى القدس- المواقف المضادة للرئيس الشرعي لفنزويلا  نيكولاس مادورو مع محاولتها وبدعم إسرائيلي لاغتصاب السلطة لفائدة المعارضة - إقرار أميركا بالسيادة "الإسرائيلية" لأراضي الجولان المحتلة، وتصنيفها المثير للجدل للحرس الثوري الإيراني كمنضمة إرهابية – فرض عقوبات على روسيا والعديد من دول العالم – شن حرب تجارية ضد الصين...                       

وغيرها من القرارات الأحادية الجانب التي تحاول من خلالها الولايات المتحدة الأميركية استعراض عضلاتها وكأنها تقول للعالم : "أنا أميركا أنا الأقوى وقراراتي هي الأصح". لكن هيهات ثم هيهات، إن استطاع ترامب ترويع العديد من دول العالم فإنه لن يستطيع مواجهة  لا روسيا ولا الصين، بل سيجد نفسه وحيدا ومعزولا وضعيفا أما التحالف الروسي ـ الصيني.                                   

فمن جهة أخرى تُحاول الولايات المتحدة الأميركية تغطية مخاوفها من التعاون العسكري الصيني الروسي، ومن أن الصين تبوأت مركز الشريك التجاري الرئيسي لروسيا ولعديد بلدان العالم خصوصاً في قارتي آسيا  وإفريقيا ومنها بلدي الجزائر الصديقة للصين ولروسيا والتي تربطها علاقات شراكة إستراتيجية شاملة مع كليهما. والمُرعب أيضا لأميركا هو انضمام ودعم روسيا لمبادرة الحـزام والطريـق التي أعلنها الرئيس الصيني  شي جين بينغ سنة 2013 خلال زيارته لجمهورية كازاخستان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، تلك المبادرة المتمثلة في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري للقرن الـ21، والهادفة لبناء شبكة للتجارة والبُنى التحتية، لتربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وما حولها.                                   

هذه المبادرة التي دون شك ستعود بالنفع المشترك للبلدان وتُضاعف التعاون والتبادل التجاري والاقتصادي والسياحي والثقافي بين الدول الواقعة على طول الحزام والطريق.. ذلك ما دفع أمريكا للسعي وراء عرقلة سيرورة هذا المشروع الهادف، ومحاولة منع بعض الدول من الانضمام إليه، لكنها كما أسلفت الذكر هيهات ثم هيئات، فكل مرة ستجد سدا منيعا يجهض نواياها. أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تغير من سياستها الخارجية، خصوصا بعد انتهاء الفترة الرئاسية لدولاند ترامب، الذي لن يُعاد انتخابه لعهدة جديدة لما يلقاه من رفض داخلي وخارجي، وربما الرئيس الأميركي السادس والخمسون سيساهم في تطبيب الجراح التي تركها ترامب وتغيير السياسة الأميركية إلى الأفضل.

في الوقت نفسه فإن بناء مبادئ العلاقات المتبادلة في شمال شرق آسيا، وتشكيل آلية للسلام والأمن وتحقيق الاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ لا يمكن أن يتجسد إلا بالتحالف بين موسكو وبكين اللذين تربطهما علاقات استراتيجية لما يقرب من العقدين من الزمن، وتتوافقان في رؤية مشتركة لخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب بشكل متزايد - نظام لا تسيطر عليه الولايات المتحدة.

 

عبد القادر خليل ـ كاتب وناشط جزائري

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الثبات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 


مقالات وأخبار مرتبطة
 وزيرا خارجية البحرين والعدو.. ولقاء التآمر على الأمة
العدوان على اليَمن  الجَلادُ مَعرُوف والجَريمة مُستَمِرة
المقاومة الفلسطينية.. لكم بالمرصاد

عاجل