أقلام الثبات
اقتحم "الفيل الجمهوري الأمريكي" المنطقة العربية في «عاصفة الصحراء» الأولى عام 1991 لتحرير الكويت من غزو صدام حسين الذي اعدمته أمريكا بعد استدراجه لشن الحرب على إيران، ثم غزو الكويت الذي كان حجة لحصار العراق ومصادرة ثروته النفطية مقابل الغذاء، ثم غزوه عام 2003، والذي كان البوابة التي دخل منها الأمريكيون للسيطرة على المنطقة وقيادتها والتحكم بها وتغيير عظمتها وعقيدتها، لتتدخل أمريكا ولأول مرة بشكل مباشر ودائم وتحكم المنطقة بثنائية التحالف الأمريكي – "الإسرائيلي" لإقامة «إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الأمريكي الجديد».
اتخذت أمريكا العراق قاعدة مركزية لحروبها العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة لاستئصال محور المقاومة، وإنشاء شرق أوسطٍ تابع ومُستعبد ومُستعمر خالٍ من أي سلاح يقاتل أمريكا وإسرائيل، ويُؤمَّن له كل سلاح هدفه قتل المسلمين والعرب لبعضهم بهدف إسقاط الأنظمة بأيدي شعوبها، وتجزئة الدول بجيوش بعضها، وتخريب العقيدة بفتاوى علمائها، وإشعال النيران الطائفية والمذهبية والقومية بلسان رجال السياسة الذين يتوزعون بتبعيتهم وتمويلهم على دول تدور في الفلك الأمريكي، لكنها تتصارع وتتنافس للفوز بالمرتبة الأولى في السباق القذر لخدمة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي ليتم تنصيب الفائز وكيلاً على بقية التابعين العبيد من الأنظمة والجماعات.
هذا الواقع ليس اتهاماً أو افتراض مؤامرة خيالية، بل إن الأدلة الميدانية والسياسية تثبت ذلك، بعدما اعترف المسؤولون الأمريكيون بأن «القاعدة» و«داعش» و«جبهة النصرة» وبقية الجماعات التكفيرية هي صناعة أمريكية بتمويل عربي وفتاوى متطرفة، وآخر الاعترافات الأمريكية بأن إسقاط الأنظمة وتغييرها ليس ثورات شعبية وديمقراطية، بل بفعل وتدخل أمريكي واضح، عبّر عنه المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق "توم براك “يوم أمس وعلى مسمع العرب الذين استخدمتهم أمريكا أدوات ولا تزال تستخدمهم ولا تطفئ الحرائق التي اشتعلت بدولهم، حيث قال: "لقد شهدنا 23 عملية تغيير للنظام، ولم تنجح أي منها وفي كل مرة نغيّر فيها شخصاً أو نظاماً، يبدو أن ذلك كان خطأً ... إن الله أرسل جميع الأنبياء إلى الشرق الأوسط ولم يرسلهم إلى مناطق أخرى، وإذا كانت المشاكل بهذه الصعوبة تاريخياً، فإن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قادرة على حلها بفرض قرارات خارجية هو أمر بعيد الاحتمال... اعتمدوا على أنفسكم ولا تعولوا على أمريكا لتحل مشاكلكم".
بعد أكثر من ثلاثين عاماً من التدخل والوجود العسكري والسيطرة الكاملة، تعلن أمريكا عجزها وخيبتها وفشلها في مشروع الشرق الأوسط الأمريكي، رغم كل المجازر والفوضى التي ارتكبتها بعنوان «الربيع العربي»، ولا يزال العالم العربي ضحية "الفيل الجمهوري" و "الحمار الديمقراطي"، فلم تنطفئ النار في ليبيا بعد إسقاط القذافي، ولا انطفأت في سوريا، ولا العراق، ولا السودان، ولا اليمن وانتقلت النار التي أشعلتها أمريكا بأيدٍ ومال عربي - خليجي إلى دول الخليج لتحترق بالنار التي أشعلتها في دول العرب والمسلمين وشاركت بسفك دماء الفلسطينيين في غزة واللبنانيين والسوريين والعراقيين والسودانيين واليمنيين والليبيين والمصريين والإيرانيين، وعندما وصلت نار الحرب إلى ديارهم وقصورهم، تخلت عنهم أمريكا، وأبلغتهم بوجوب الاعتماد على أنفسهم وتشكيل تحالفات إقليمية لحماية بعضهم وإيجاد الحلول، لأن أمريكا لن تتدخل لحمايتهم، وربما تتركهم بعد غرقها بحرب الاستنزاف مع إيران وعجز ادواتها من حسم حرب اليمن دون تدخل امريكي ميداني - وهذا ما لاتريده أمريكا - بعد فشل مشروع التغيير الذي فرضته بالقوة والفتن والحروب.
وفقاً للاستراتيجية التي تعتمدها أمريكا «الأرض المحروقة» في حال عدم قدرتها على السيطرة والتحكم، فإن التصريحات الامريكية وتوسّع دائرة الحرب واشتراك دول جديدة فيها تُنذر بأن المنطقة قادمة على اشتعال نار شاملة تحرق الجميع، حتى من كانوا أدوات وخدماً وجنوداً للمشروع الأمريكي – "الإسرائيلي"، بالتلازم مع إعلان أمريكا فشلها في القضاء على محور المقاومة رغم كل الضربات القاسية التي ألحقتها به من اغتيال للقادة وإبادة جماعية وتدمير.
هل يستيقظ المهرولون للالتحاق بالقطار الأمريكي – "الإسرائيلي" المشرف على التوقف او الانقلاب وينقذون أنفسهم، ويعودون إلى شعوبهم وأشقائهم ومواطنيهم لبدء حوار داخلي في أوطانهم ولمساكنة ومهادنة مع جيرانهم لإنقاذ ما تبقى من هذا العالم العربي والإسلامي أم أنهم مأمورون وأُجراء ومكابرون وأغبياء، مما سيدفعهم للاستمرار في إشعال النار التي ستحرقهم أكثر من غيرهم، لأنهم جنود الباطل، ضعفاء لا يملكون إلا المال ويقاتلون في سبيل أمريكا و"إسرائيل"، بينما أهل المقاومة هم جنود الحق يقاتلون في سبيل الله، وسينتصر من ينصر الله وليس من ينصر أمريكا و"اسرائيل".
الفيل الأمريكي يحرق الدول والأنظمة ويترك أدواته حطباً للنار التي أشعلوها _ د. نسيب حطيط
الأربعاء 21 تشرين الأول , 2026 09:28 توقيت بيروت
أقلام الثبات
العالم ينتظر نتيجة الحرب المقبلة لإنهاء الحروب الأميركية _ يونس عودة
المقاومة.. بين الاستنزاف "الإسرائيلي" والتضييق الحكومي والطائفي _ د. نسيب حطيط
إيران واليمن.. عندما تغدو صعوبة الجغرافيا ميزة دفاعية _ أمين أبوراشد