إيران واليمن.. عندما تغدو صعوبة الجغرافيا ميزة دفاعية _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 20 تشرين الأول , 2026 11:43 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تقارير نُشِرت في الأيام الأخيرة تناولت احتمال لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام "أمّ القنابل" ضد أهداف إيرانية، في سياق التهديد باستهداف منشآت حيوية بينها منشآت نووية. لكن السؤال الذي تطرحه هذه التهديدات يتجاوز حجم القنبلة وقدرتها التدميرية: هل تستطيع القوة النارية الجوية، مهما بلغت، أن تحسم معركة مع خصم تحميه الجغرافيا وتحصّنه طبيعة الأرض؟

فالمنشآت المدفونة عميقاً تحت الجبال، والمحاطة بطبقات صخرية صلبة، تفرض تحديات مختلفة على أي هجوم جوي، لا سيما حين تكون أعماقها وطبيعة تحصيناتها عائقاً أمام الذخائر التقليدية. وفي اليمن تقدّم الجبال الوعرة والتضاريس المعقّدة نموذجاً آخر لصعوبة المواجهة؛ فمن بيئة الكهوف والممرات الجبلية، انتقل المقاتلون الحوثيون إلى امتلاك قدرات صاروخية باليستية، فيما تبقى مسألة أماكن إدارة العمليات وفاعلية استهدافها جزءًا أساسياً من معادلة الصراع.

وليست المسألة هنا في المقارنة بين قدرات إيران واليمن، بقدر ما هي في الدرس الاستراتيجي المشترك: قد تمنح الجغرافيا الطرف الأضعف تسليحاً صالحاً للمناورة والصمود، وتحوّل التفوّق الناري لدى خصمه من ضمانة للحسم إلى مجرد عنصر واحد في معركة أكثر تعقيداً.

وبالعودة الى التقارير، فإن الجيش الأميركي أعدّ خططاً تتضمن احتمال استخدام القنبلة GBU-43/B، التي سبق أن استخدمتها الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2017، ضد أهداف إيرانية تشمل منشآت الطاقة والمواقع النووية، ومنها جبل الفأس المعروف باسم "بيكاكس ماونتن" (Pickaxe Mountain).

ويبلغ وزن هذه القنبلة نحو 9.8 أطنان، منها قرابة 8.5 أطنان من المتفجرات، وتُعدّ أقوى القنابل التقليدية غير النووية في الترسانة الأميركية، غير أن قدرتها التدميرية الهائلة لا تعني قدرتها على اختراق التحصينات الجبلية العميقة؛ فهي مصممة لإحداث انفجار أفقي واسع، وليست لاختراق مئات الأمتار من الصخور الصلبة، لذلك فإن استخدامها لا يضمن تدمير منشآت نووية محصّنة تحت الجبال.

والتفوق في تدمير الأهداف لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الأرض، وهذه هي المسألة التي تتجاوز نوع السلاح وقدرته التدميرية إلى سؤال استراتيجي أوسع: هل يكفي التفوق العسكري والتكنولوجي لإخضاع بلد يتمتع بعمق جغرافي وتضاريس تعقّد الحركة والسيطرة؟ هنا تبرز إيران واليمن نموذجين مختلفين لأهمية الجغرافيا في مواجهة القوى المتفوقة عسكرياً.

تمنح المساحة الواسعة لإيران، إلى جانب سلاسل جبال زاغروس غرباً والبرز شمالاً، عمقاً دفاعياً يصعب تجاهله في أي عملية برية واسعة. فالتضاريس الجبلية واتساع الهضبة الداخلية وتباعد مراكز الثقل، تجعل الانتقال من تنفيذ ضربات عسكرية إلى احتلال الأرض والسيطرة المستدامة عليها مهمة شديدة التعقيد، لا بل مستحيلة.

ولا تعني هذه الخصائص أن إيران منيعة أمام الضربات الجوية أو التفوق التكنولوجي الأميركي، لكنها تجعل اختزال الحرب في ضربة واحدة أو معركة حاسمة أمراً بالغ الصعوبة. فتدمير منشأة استراتيجية لا يعني بالضرورة انهيار القدرة على المقاومة، كما أن تحقيق اختراق عسكري لا يضمن فرض السيطرة السياسية على بلاد شاسعة وشعب عقائدي.

وفي اليمن، تتخذ الجغرافيا شكلاً مختلفاً، لكنه لا يقل تأثيراً، فالمرتفعات الوعرة والأودية العميقة والتباين بين المناطق الساحلية والداخلية تجعل العمليات البرية معقدة، وتفرض على القوات المهاجمة أعباء إضافية في الحركة والإمداد وتأمين المواقع.

وتقدم الحملات العثمانية في المرتفعات اليمنية خلال القرن السادس عشر مثالاً تاريخياً على صعوبة إخضاع المناطق الجبلية، حين واجهت القوات العثمانية مقاومة استفادت من طبيعة الأرض والروابط المحلية، وتوضح هذه التجربة أن التفوق في العدد والتسليح لا يكفي وحده لضمان السيطرة، خصوصاً عندما تتداخل التضاريس مع عوامل المقاومة الاجتماعية والسياسية.

ولا تعمل الجغرافيا بمعزل عن الإنسان، إذ تتوقف قيمتها الدفاعية على التنظيم والقدرة اللوجستية والتماسك الداخلي واستدامة الموارد. وقد تتحول الأرض الوعرة إلى عبء على المدافع نفسه إذا افتقر إلى وسائل التموين والاتصال والقدرة على مواصلة الصراع، وهذا ما نجح الحوثيون في تنظيمه.

هنا تتجلى معادلة الكلفة غير المتماثلة، حيث تختلف حسابات دخول الأرض عن حسابات إخضاعها، وتلتقي الحالتان الإيرانية واليمنية عند معادلة أساسية: ليس مطلوباً من الطرف الأضعف عسكرياً أن يضاهي خصمه في جميع أدوات القوة، بل أن يجعل تحقيق أهدافه أكثر كلفة وأطول زمناً وأقل ضماناً، والتقدم العسكري الأوليّ لا يعني حسم الحرب، والسيطرة على مواقع محددة لا تضمن الاحتفاظ بها أو تحويلها إلى مكاسب سياسية مستقرة.

وتكتسب الجغرافيا أهميتها بوصفها عاملاً يحدّ من سرعة الحسم، لا ضمانة للنصر، أما فاعليتها فترتبط بقدرة الدولة والمجتمع على توظيفها، بالتماسك المؤسسي والاقتصادي واللوجستي، فضلاً عن الاستعداد لتحمُّل أعباء المواجهة.

وفي الخلاصة، تكشف المقارنة بين إيران واليمن أن الجغرافيا ليست مجرد مسرح للحرب، بل عنصر مؤثر في تحديد كلفتها وحدود نتائجها، فالجبال والمساحات الواسعة لا تمنع الهزيمة تلقائياً، لكنها تستطيع تعقيد الغزو وإطالة المواجهة وإنهاك المهاجم وتقليص فرص الحسم لدرجة انعدامها.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام القوة المهاجمة هو الوصول إلى الأرض أو تدمير بعض أهدافها، بل القدرة على إخضاعها وتحمل كلفة البقاء فيها. ودخول الأرض إنجاز عسكري محتمل، أما السيطرة المستدامة عليها وتحويلها إلى نتيجة سياسية فاختبار استراتيجي مختلف تماماً، وهو اختبار بالغ الصعوبة في اليمن، وأكثر تعقيداً في إيران، بالنظر إلى اتساع مساحتها وعمقها الجغرافي وتنوُّع تضاريسها، والأهم من كل ذلك الثقافة العقائدية لدى شعب مقاوم.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل