مَحْوُ القرى والذاكرة.. الوجه الآخر للحرب في جنوب لبنان _ د. ليلى نقولا

الإثنين 19 تشرين الأول , 2026 08:14 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

خلال السنوات الماضية، قامت "إسرائيل" بتجريف القرى والمباني السكنية والبنى التحتية، وطال التدمير مواقع أثرية وتراثية بارزة، من بينها مدينة صور المدرجة على قائمة التراث العالمي، إضافة إلى قلعة الشقيف والأسواق التاريخية في النبطية، ومواقع تراثية في قرى حدودية تعرضت لتدمير واسع النطاق.
- لماذا يقوم الاحتلال بهذه الجرائم ضد التراث اللبناني؟
أولاً: خلق منطقة حدودية منزوعة المقومات السكانية

في الكثير من الحروب الحدودية، لا يقتصر الهدف على تدمير قدرات الخصم العسكرية، بل يمتد إلى إضعاف البيئة المادية التي تسمح بإعادة إنتاج تلك القدرات.
وعليه، إن تدمير القرى والبنى العمرانية في الجنوب هي وسيلة لتحويل المنطقة إلى فضاء قاحل ومنع العودة السريعة للسكان، وبالتالي خلق نوع من "الحزام الأمني" الواقعي حتى لو اضطر الإسرائيلي الى الانسحاب في وقت لاحق.
ثانياً: الردع عبر الكلفة المجتمعية
في العلوم الاستراتيجية، هناك ما يسمى "الردع بالعقاب" (Deterrence by Punishment). هذا الردع يهدف الى رفع الكلفة الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية للحرب إلى مستوى يدفع البيئة المحيطة "بالحزب" إلى رفض تكرار المواجهة مستقبلاً، وهو ما نراه في قيام "إسرائيل" بتدمير البيوت والقصور في الجنوب، حتى لو لم يكن ذلك بسبب الضرورة العسكرية.
ثالثاً: إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية
من منظور عسكري، تمثل القرى الجنوبية شبكة معقدة من الطرق والمباني والتضاريس التي تمنح المدافع – ابن الأرض - مزايا كبيرة. وعليه، عندما يُدمَّر جزء كبير من هذه البنية العمرانية، يصبح المجال أكثر انكشافاً وأقل ملاءمة للعمليات العسكرية أو المقاومة في المستقبل.
رابعاً: البعد الرمزي والهوياتي
في أدبيات الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، لا تُعدّ القرى مجرد تجمعات سكنية، بل خزانات للذاكرة التاريخية والهوية المحلية. لذلك يمكن تفسير استهداف "إسرائيل" للنسيج العمراني والتراثي، في بعض الحالات، باعتباره يتجاوز البعد العسكري المباشر ليمسّ البنية الرمزية للمجتمع نفسه، ويهدف الى محو الذاكرة التاريخية لقرى ومجتمعات كاملة.
- ماذا يقول القانون الدولي؟
بسبب أهمية التراث والذاكرة الثقافية للشعوب توصّل القانون الدولي بعد تجارب القرن العشرين إلى أن تدمير التراث لا يشكّل فقط خسارة مادية، بل يمكن أن يكون أداة لإعادة تشكيل الهويات والجغرافيا السياسية. لهذا السبب لا يعتبر القانون الدولي حماية التراث الثقافي مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحروب.
تؤكد اتفاقية لاهاي لعام 1954 أن الممتلكات الثقافية تتمتع بحماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، لأن الاعتداء عليها يمس الإرث الثقافي الإنساني المشترك. كما أن استهداف المواقع الثقافية والتاريخية المحمية يشكّل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني.
في أدبيات الجغرافيا السياسية النقدية، لا تُفهم السيطرة على المكان بوصفها سيطرة عسكرية فقط، بل بوصفها قدرة على إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والرمزي المرتبط به، فالمكان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل شبكة من الذكريات والعلاقات والرموز والهويات، وعندما يتعرض هذا المكان للتدمير المنهجي، فإن الهدف هو التأثير في العلاقة المستقبلية بين المجتمع وأرضه. وعليه، إن تدمير القرى والنسيج التراثي في جنوب لبنان يمكن قراءته باعتباره جزءاً من صراع على الجغرافيا والذاكرة، والقدرة المستقبلية على إعادة إنتاج الحضور البشري والاجتماعي في المنطقة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل