لبنان و"ثلاثية" الطائفية السياسية والعقارية والإنجابية _ د. نسيب حطيط

الأحد 18 تشرين الأول , 2026 12:39 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
ارتكز النظام السياسي اللبناني والإداري على مبدأ الطائفية السياسية (6 و6 مكرر) بين المسيحيين والمسلمين منذ استقلال لبنان، واعتمد كنظام عنصري (منع بعض الوظائف عن المسلمين) ، لأنه ألغى صفة المواطنة وسجن اللبناني داخل طائفته، لتكون "الدويلة" التي تحمي حقوقه داخل اتحاد الدويلات الطائفية اللبنانية تشكل "الدولة اللبنانية" التي بقيت هشّة وضعيفة ومتصدّعة، فلم تعتمد القانون والدستور أو العدالة لتسيير شؤون المواطنين، بل اعتمدت على التوافقات والمساومات والمقايضات التي أسّست للفساد وعدم قيام الدولة.
بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية "عسكرياً"، وإقرار اتفاق الطائف الذي تحوّل إلى دستور في العام 1990 (المادة 95) الذي نصّ على إلغاء الطائفية السياسية، وأبقى عليها في الرئاسات والحكومة ومجلس النواب-حتى تشكيل مجلس الشيوخ- والفئة الأولى، لكن وبعد أكثر من 30 عاماً، لم يتم إلغاؤها حتى على في الفئة السادسة وأساتذة الجامعة وغيرها من الوظائف وتم إضافة منظومتين طائفيتين جديدتين" الطائفية العقارية وطائفية الإنجاب":
الطائفية العقارية: تنحصر بالطائفة الشيعية فقط، والتي تنص على عدم السماح لأي شيعي بامتلاك عقار أو شقة سكنية أو محل تجاري أو استئجار أي عقار في المناطق المسيحية خلافا للقانون اللبناني، تم حرمان  الشيعي اللبناني من مساواته بالأجنبي الذي يسمح له القانون اللبناني بتملّك 10% من مساحة أي منطقة عقارية، بينما يُمنع على الشيعي تملك أو استئجار متر واحد، مما عدّل تصنيف الاراضي والعقارات في لبنان من أراضي عامة وخاصة وأميرية أو بلدية، ليضاف اليها تصنيف جديد (أراضٍ مسيحية وشيعية وسنية) وصلت إلى المقابر أيضاً، حيث مُنع إقامة مقبرة للشيعة في عقارٍ تم شراؤه قانونياً، وكذلك رفض إقامة مراكز إيواء النازحين في المناطق المسيحية.
طائفية الإنجاب: تتعلق بالمسلمين "سنة وشيعة" خصوصاً، حيث يطالب المسيحيون - وخلافا لاتفاق الطائف الذي صار دستوراً - أن تبقى المناصفة في التعيينات قائمة في الإدارة وأساتذة الجامعة والمعلمين، وكل الوظائف، بحجة عدم وجود العدد المسيحي المتساوي مع أعداد المسلمين الذين لهم حق التوظيف ويحوزون على الشروط والمواصفات القانونية، حيث يريد المسيحيون فرض معادلة تمنع توظيف المسلمين إلا بما يساوي عدد المسيحيين. وعلى المسلمين انتظار نتائج الولادات المسيحية وفق الثقافة والعقيدة والتقاليد أو المزاج الخاص، فإذا أنجب المسيحي ولداً واكتفى به، فعلى المسلم أن ينجب ولداً أو عليه تقبل أن يبقى بقية أولاده خارج الوظيفة والإدارة، وعليه أن يتقبل "إعدام" أولاده اجتماعياً ومالياً ومعنوياً ووظيفياً ، حفظاً للعيش المشترك غير العادل وغير الإنساني ولا القانوني. وبدل أن يُطبق المسيحيون اتفاق الطائف أو يزيدوا عدد ولاداتهم ويرفعوا نسبة الإنجاب بما يتساوى مع المسلمين، فإنهم يمارسون عملية إعدام جماعية لكل المتعلمين أصحاب الشهادات والكفاءة من المسلمين.
لبنان المقيد بسلاسل "الثالوث الطائفي" الذي يمنع قيام دولة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، ويبقي لبنان "جغرافيا" لا تشكل وطناً يقيم بها عدة جماعات طائفية لا تتحد بأي شيء لا بالجغرافيا ولا بالثقافة ولا بالموقف السياسي ولا بالتقاليد، فلكل "طائفة "مدرستها وجامعتها ومركزها العبادي ومستشفياتها وإذاعتها وتلفزيونها، بما يشبه "الفيتو" المغلق المحدودة بواباته  للتواصل مع بقية "الغيتوات الطائفية" وفق الحاجة والضرورة، و تقليل تقليص العلاقات بين هذه "الغيتوات"، التي لم تستطع أن تؤسس دولةً، بل شركة مساهمة سياسية وطائفية تتوزع أسهمها على الطوائف وأحزابها بما يتناسب مع قوتها أو الدعم الخارجي لها.
إن منظومة "الثالوث الطائفي" تمنع قيام دولة واحدة مستقلة راعية وحامية لمواطنيها، وتبقي الأبواب مشرّعة على حروب أهلية وفتن داخلية يُشعلها المحتل الإسرائيلي أو المستعمر الأمريكي أو صاحب الطموح العربي الذي يملك المال، والذي اعتاد بعض اللبنانيين بيع أنفسهم ومواقفهم للمشترين الجانب، لقاء بدل مالي أو مصالح سياسية يقبضونها.
هذا "الثالوث الطائفي" سهّل على العدو "الإسرائيلي" اصطياد بعض مكوّنات الشعب اللبناني منذ أكثر من خمسة عقود (بحجة حمايته)، واستطاع المستعمر الأمريكي أيضاً أن يصطاد ما تبقى(بحجة تحرير لبنان من إيران)، ليكون لبنان محميّة "إسرائيلية" وقاعدة أمريكية لإدارة "الشرق الأوسط الأمريكي الجديد".
يكاد لبنان يسقط بالقبضة الأمريكية - "الإسرائيلية"، ولم يبقَ خارج السيطرة وعلى خطوط الدفاع عن لبنان، إلا المقاومة وطائفتها وبعض الوطنيين الذين يحاولون إنقاذ لبنان من فم التمساح الأمريكي - "الإسرائيلي"، مما عرّضهم وما زالوا لحرب شاملة وإبادة جماعية، لأنه لا يمكن احتلال لبنان واستعماره او بقاء الأمن للمحتلين والمستعمرين وادواتهم، وإقامة دولة المواطنة والعدالة مادامت المقاومة باقية... وستبقى بإذن الله.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل