استراتيجية الاستيطان "الإسرائيلي".. العسكري والسياسي _ د. نسيب حطيط

الأربعاء 14 تشرين الأول , 2026 01:01 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تأسس الكيان الصهيوني على عقيدة دينية وسياسية تقوم على احتلال أراضي الغير، ابتداءً من الأراضي الفلسطينية والتوسع نحو الأراضي المصرية والسورية واللبنانية، باعتبار أن كل الجغرافيا العربية هي أرض "إسرائيلية" بالأساس؛ وفق الوعد الإلهي للنبي إبراهيم (عليه السلام)، ويجب تحريرها، وصارت مفردات الاحتلال، والاستيطان، والمناطق العازلة، والحزام أو الشريط الأمني، ومناطق الأمر الواقع، والمناطق الملونة، جزءاً من القاموس السياسي والعسكري "الإسرائيلي"، بالتلازم مع ثابت دائم وهو عدم الالتزام بالاتفاقات والمعاهدات والقرارات الدولية، مع تأكيد العدو "الإسرائيلي" أن "السلام" الذي يؤمن به ويسعى إليه هو "السلام" الذي يوافق العرب على شروطه ومنحه شرعية احتلاله للأرض وتهجيره للسكان والتعهد بعدم مقاومته، بالإضافة إلى عمل جيوش الدول العربية وأنظمتها كحرس حدود أو مظلة سياسية وأداة قمع المقاومين للمشروع "الإسرائيلي"، وفق ما يقول الباحث "الإسرائيلي" موشيه طابنكين: "إن السلام الحقيقي معناه استيطان المناطق المحتلة سواء وافق العرب أم لم يوافقوا، تماماً كما حدث سابقا... وإذا كان الاستيطان يحول دون السلام فإن مجرد وجودنا يحول دون السلام".
تتوزع عملية ضم الأراضي الى أربعة مراحل:
احتلال "إسرائيل" للأرض المرحلة الأولى من عملية قضم أراضي الآخرين وضمها إلى مشروع "إسرائيل الكبرى".
الاستيطان العسكري والسياسي بما يعرف بالحزام الأمني أو المنطقة العازلة وفرض أمر واقع على السكان والدول التابعين لها لفترة زمنية طويلة، حيث يُفرض الحكم العسكري على المناطق المحتلة وتعيين حاكم إداري وسلطة سياسية بدأت "لجان القرى" في الضفة الغربية، أو تشكيل دويلة باسم "دولة لبنان الحر" في جنوب لبنان بعد تثبيت الحزام الأمني عام 1978، لتأمين التغيير الديموغرافي والسلوكي وتحويل السكان إلى كائنات بشرية مُستعبدة تعمل عند العدو كعمال أو كمخبرين وعملاء يساهمون في إطالة عمر الكيان وتأمين أمنه. 
تهجير السكان واستبدالهم بمستوطنين يهود من خارج فلسطين لتحقيق هدفين، منع عودة اللاجئين إلى فلسطين، وترحيل المقيمين الذين ولدوا بعد الاحتلال ، كما هو حال غزة والقدس والضفة الغربية. 
المرحلة الرابعة والأخيرة وهي ضم الأرض وإعلانها أرضاً "لإسرائيل الكبرى".
قام العدو "الإسرائيلي" بتغيير استراتيجيته في الاحتلال والاستيطان العسكري باعتماد التدمير الشامل للمناطق المحتلة وتهجير السكان وتغيير الهوية الثقافية؛ كما جرى في غزة وجنوب لبنان الذي لا يزال مستمراً، لكي يتم تثبيت أمر واقع عبر الاستيطان العسكري بحجة تأمين الأمن وبسبب عجز "إسرائيل" عن تأمين العديد البشري للإمساك بالأرض ولأنها تحتاج إلى القتال الدائم، كما قال وزير الدفاع الأسبق موشيه دايان: "نحن جيل من المستوطنين، ومن دون الخوذة الحديدية والمدفع لن نستطيع أن نبني منزلاً أو نغرس شجرة... إنه قدرٌ لجيلنا أن يكون مسلّحاً وعلى أهبة الاستعداد، وأن يكون قوياً وقاسياً، حتى لا يسقط السيف من أيدينا وتنتهي حياتنا".
يتعرّض جنوب لبنان لخطر وجودي سيقرر مصيره ،بعدما أنجز العدو "الإسرائيلي" المرحلة الأولى باحتلال الأرض، والمرحلة الثانية بالاستيطان العسكري، والمرحلة الثالثة بالتجريف والتدمير والإبادة الشاملة، بالتلازم مع استيطان سياسي تمثل، بتنصيب أمريكا لحكومة لبنانية "منحت الشرعية للاحتلال بعد توقيعها "اتفاق الإطار الثلاثي" وتتعامل مع العدو بصفته ذراعاً عسكرية حليفة للقضاء على المقاومة بسبب عدم قدرتها على ذلك ولرفض الجيش اللبناني الصدام مع المقاومة.
يحاول العدو تنفيذ استراتيجيته الهادفة إلى ضم منطقة جنوبي الليطاني إلى "إسرائيل الكبرى"، عبر احتلال الأرض وتدمير العمران والقرى والمقابر، وإطالة الفترة الزمنية لتهجير السكان لدفعهم للبدء ببناء حياة أخرى خارج قراهم، والمراهنة على تفكيك مشروع المقاومة العسكري والديني والثقافي والاقتصادي، مما يسهل عليه بقاء الاحتلال واستفادته من تجربته السابقة بعد اجتياح عام 1982 من خلال ردع المقاومة عن تنفيذ أي عملية ضده من خلال قصف المدنيين في المناطق البعيدة عن القتال، وفرض معادلة صعبة ودقيقة وخطيرة تقوم على ردع المقاومين بقتل أهلهم، وهذا ما يقوم به العدو في الأشهر التي أعقبت قرار وقف النار، مما يستدعي أن تبادر المقاومة لدراسة استراتيجية دفاعية ميدانية جديدة ،تُنهك العدو بالعمليات العسكرية وتحمي أهلها من ردّات الفعل "الإسرائيلية".
إن مواجهة المقاومة للاستيطان السياسي "الإسرائيلي" في الداخل اللبناني جزء من مقاومة الاحتلال ولابد من تغيير استراتيجية المقاومة ميدانياً وتنظيمياً وسياسياً ،بما يتناسب مع الاستراتيجية الهجومية المتوحشة للعدو لمنعه من تثبيت معادلته القائمة على قتل المدنيين لتقييد المقاومين في ميدانهم، عبر إعادة الإعمار الديني والنفسي للأفراد والجماعة وتوثيق الذاكرة ومنع التطبيع المجتمعي والإعلامي .
سيرحلون.. وسنعود بإذن الله الجبّار.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل