"السرطان"... الوجه الآخر للحرب "الإسرائيلية" على لبنان _ د. نسيب حطيط

السبت 10 تشرين الأول , 2026 02:26 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تتركز المفاوضات السياسية سواء عبر القرارات الدولية أو الوساطات أو عبر المفاوضات المباشرة التي بدأها لبنان لتثبيت وقف النار ووقف القتل المرئي والمسموع، والمتمثل بقتل المدنيين والقصف وتدمير وتجريف القرى والمدن والمقابر، واقتلاع الأشجار وإحراق الأحراج، لكنها تُغفل معالجة "القتل الصامت" الذي يفتك بالمدنيين، خصوصاً في "جنوب لبنان" الذي تدمره "إسرائيل" بأطنان المتفجرات والغارات والقصف المتنوع من القنابل الفوسفورية واليورانيوم المنضّب والغازات والمواد الكيماوية، وغيرها من الأسلحة التي لا يعلن عنها العدو، ولا تستطيع أي جهة دولية أو محلية تحليلها، وإن استطاعت فليس مسموحاً لها أن تُعلن النتائج، إما حماية للعدو الإسرائيلي وعدم إدانته دولياً باستعمال الأسلحة الممنوعة، أو ضمن تدبير محلي خاطئ يفضل عدم الإعلان حتى لا تخاف الناس، مما يوقعها في فخ عدم الوقاية أو المعالجة وإهمال إجراء الفحوصات على البيئة والأبيار الجوفية والمياه، فتسقط في الوجه الآخر للحرب المخفي الذي يتسلّل إلى أجساد الناس، وهو "السرطان الإسرائيلي" القاتل؛ من غبار القصف والأسلحة الفتاكة، مما جعل أهل الجنوب "شهداء" حرب صامتة اسمها "السرطان الإسرائيلي".
القصف "الإسرائيلي" بالفوسفور الأبيض والذخائر الحارقة واليورانيوم المنضّب وبعض الذخائر الكيميائية ورش الأحراج والحقول الزراعية بها في الجنوب أدوا إلى تلوث التربة والمياه الجوفية والسطحية والمحاصيل الزراعية، وانتقال هذه السموم المركّبة إلى أجساد الناس المقيمين بالتلازم مع تعرضهم للغبار الناتج عن الغارات وانهيار المباني وملايين الأطنان من الركام والغبار المحمل بالأسمنت والمواد الكيماوية والألياف والمعادن الثقيلة، نتيجة احتراق محطات الوقود والبيوت وما تحتوي من أثاث وأدوات كهربائية وبلاستيكية، ويضاف إليها الحرائق بالأحراج والمساحات الخضراء وتدمير المصانع ومحطات الطاقة وخزانات الوقود والكهرباء مما يؤدي إلى تسرب المواد البترولية والكيميائية ويلوث الهواء والمياه والتربة بمواد عالية السمية التي يؤدي استنشاقها المتكرر إلى زيادة كبيرة في سرطانات الرئة.
تجاوزت نسبة الإصابة بمرض السرطان في لبنان النسبة العالمية التي تقدر في نسبتها الأعلى بحوالي 250 لكل 100,000، حيث بلغت في لبنان نسبة 400 وتشير بعض الإحصاءات الجديدة إلى ارتفاعها إلى نحو 500، وسجلت بعض المناطق في الجنوب خلال الشهر الماضي تسجيل حوالي 700 حالة جديدة في شهر واحد، مع ظاهرة خطيرة وملفتة وهي زيادة عدد الشباب تحت الثلاثين عاماً المصابين بالسرطان خلافاً للتشخيص العالمي ودول الجوار، وبلغت حالات الإصابة بالسرطان في لبنان حوالي 14,000 إصابة جديدة سنوياً وبلغ عدد المصابين منذ العام 2024 حوالي 160 ألفاً، يتركز معظمها في الجنوب وبعض مناطق البقاع.
إن استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان وتوسعها جغرافيا وتنوع أساليبها في القصف والدمار والتجريف بشكل لم يسبق له مثيل، كما صرح الوزير الإسرائيلي "سموتريتش" ومحو 70 قرية ومدينة في جنوب لبنان، واستعمال آلاف الأطنان من المتفجرات لتفجير الأنفاق والبيوت والمساجد والحسينيات، بما يماثل تعرض الجنوب إلى قصف نووي مستدام وما ينتج عنه من أضرار بيئية وصحية يتعرّض لها أهله، الذين عادوا إلى بيوتهم ويعيشون تحت الضغط النفسي وسماع التفجيرات ليلاً ونهاراً وما تسببه الطائرات المسيّرة بأصواتها المزعجة من توتر نفسي وضغط وقلق وخوف، تساعد جميعها مع توسع حالات الفقر وقلة الرعاية الصحية بإضعاف حالة المناعة للأشخاص ليصبحوا ضحايا الحرب الإسرائيلية الصامتة المتمثلة بالسرطان القاتل.
لا بد من المبادرة ،لإثارة ومعالجة هذا المرض القاتل، الوجه الآخر والمستمر للحرب الإسرائيلية على لبنان وشعبه وفق التالي:
توثيق الوقائع بوصفها "جريمة حرب" وعقد مؤتمرات متخصصة وأخذ عينات من المياه والتربة في الجنوب وفحص المزروعات والأبيار.
طلب إيفاد لجنة دولية لتقصي الحقائق.
المطالبة بمحاكمة مسؤولي العدو وفرض التعويضات عليهم كأشخاص وحكومة.
استصدار قرار دولي لإلزام العدو الإسرائيلي بالامتناع عن استعمال الفوسفور واليورانيوم والأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة المحرمة دولياً، وتجنيب مناطق المدنيين من الأعمال العسكرية وفق القانون الدولي.
طلب المساعدات التقنية والدوائية لعلاج مرضى السرطان الذين تتزايد أعدادهم كما يتزايد عداد الشهداء والجرحى وأعداد القرى والمدن المدمرة.
ينتظر "الجنوبي" وحيداً لتنفيذ حكم الإعدام به إما اغتيالاً بمسيّرة أو قتلاً تحت أنقاض بيته أو بسلاح "السرطان الإسرائيلي" الصامت، أو التهجير والبطالة والفقر أو الموت قهراً حزناً على ما خسره من أبناء وأرزاق.
"الجنوبي"... "شهيد" عقيدته وإخلاصه وصدقه و"ضحية" تخلي وغدر الآخرين، وحكومته التي تشارك العدو لنزع سلاح الدفاع عن النفس بدل أن تحميه.
من لم تقتله "إسرائيل" بالقصف... قتلته بالسرطان!
سلاماً... "لشهداء السرطان الإسرائيلي".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل