أقلام الثبات
في لبنان، ثمة "معجزة" من نوعٍ خاص: كلما ارتفع كرسيّ المسؤول، انخفض مستوى الكلام ولامس الحضيض، ولسنا بحاجة إلى تسمية الأفراد أو الجماعات، لأن "الغسيل السياسي بات منشوراً على سطوح بيروت".
نستمع إلى مسؤولين يتحدثون عن الدولة، والسيادة، والدستور، والمصلحة الوطنية، وصولاً إلى إدارة الشؤون الخدماتية والمعيشية، ثم ما أن يبدأ الخلاف حتى تسقط كل هذه العناوين دفعة واحدة، ويظهر الخطاب الحقيقي: اتهامات، وتخوين، وتهديد، وشماتة، ومباراة في استعراض العضلات اللفظية.
يا لها من دولة!
دولةٌ تُناقَش أكبر ملفاتها بأصغر العبارات، وتواجه أخطر أزماتها بأكثر الخطابات سطحية، ويُفترض بمن يتولون أعلى المواقع فيها أن يكونوا قدوة في ضبط النفس، فإذا ببعضهم يتصرف وكأن السياسة مباراة في الشتائم، ومن يرفع صوته أكثر يربح الجولة.
لا يا سادة..
السياسة ليست حلبة مصارعة، والمسؤولية العامة ليست منصةً لتفريغ الأحقاد، والخصم السياسي ليس عدواً تجب إبادته بالكلمات.
لكن يبدو أن بعض أهل السياسة في لبنان لم يكتشفوا بعد أن ارتفاع المقعد لا يعني ارتفاع صاحبه، والمشكلة ليست في أن نختلف بل على العكس؛ الاختلاف هو السياسة بعينها، لكن المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى عجز عن الحوار، وأن تصبح الشتيمة بديلًا عن الحجة، والتخوين بديلًا عن النقاش، والضجيج بديلًا عن الإنجاز.
وحين لا يجد السياسي ما يقوله، يبدأ غالباً بالحديث عن خصمه، وحين لا يجد إنجازاً يدافع عنه، يبحث عن فشل عند غيره، وحين يُسأل عن مسؤولية، يرفع الصوت، وحين تضيق به الحجة، يتَّسع لديه قاموس الشتائم.
وهكذا، بدل أن يسأل المواطن: ماذا فعلتم؟
يُطلب منه أن ينشغل بسؤال آخر: ماذا قال خصمكم؟
يا لذكاء اللعبة، ويا لخُبثكم يا بعض الطبقة المؤتمنة على مصالح وطن وشعب.
يُسرق النقاش من حياة الناس إلى سجالات السياسيين، ومن الكهرباء والاقتصاد والوظائف والخدمات والدولة والمؤسسات، إلى مَن شتم مَن، ومَن ردّ على مَن، ومن كان أكثر قدرة على إشعال المنابر.
وهكذا يتحول الفشل في إدارة الشأن العام إلى نجاح في إدارة الانفعال العام، والأخطر أن هذا الانحدار لم يعد استثناءً، لقد أصبح، في كثير من الأحيان، جزءًا من المشهد اليومي، لغة سياسية تستفز بدل أن تُقنع، وتقسم بدل أن تجمع، وتثير الغرائز بدل أن تخاطب العقول.
ثم نستغرب لماذا ينقسم اللبنانيون إلى شرائح متباعدة..
كيف لا ينقسمون؛ إذا كانت لغة الذين يفترض أن يديروا خلافاتهم يسعون أصلًا الى تعميقها؟
كيف نطلب من المواطن أن يحترم الدولة، فيما يسمع من بعض ممثليها خطاباً لا يحترم حتى أبسط قواعد النقاش؟
وكيف نطالب الناس بالرقي في الحوار، فيما القدوة تأتيهم من فوق وهي تصرخ؟
المصيبة أن البعض يتعامل مع الكلام وكأنه بلا ثمن..
الكلمة الصادرة عن مسؤول، ليست كالكلمة الصادرة عن مواطن عابر يغرد على وسائل التواصل الاجتماعي. المسؤول يملك منبراً، ونفوذاً، وجمهوراً، وتأثيراً، وعندما يستخدم هذه الأدوات لتأجيج الخصومة، فهو لا يمارس حرية التعبير فقط بل يمارس تأثيرًا عامًا له نتائج عامة.
لذلك، فلنقلها بوضوح:
ليس كل كلام سياسي موقفاً مسؤولاً، وأحيانًا يكون مجرد ثرثرة وضجيج، وقد يُنزل جمهوراً غوغائياً إلى الشارع.. وليس كل من يرفع صوته هو قويّ، أحياناً يكون رفع الصوت محاولةً يائسة لإخفاء ضعف الفكرة، وليس كل من يهاجم خصمه شجاعاً، أحياناً يكون الهجوم أسهل كثيراً من تقديم جواب.
أما المضحك المبكي، فهو أن بعض الخطابات التي تبدأ بكلمة "الدولة" تنتهي بإهانة الدولة نفسها، لأنها تقدم للمواطن نموذجاً سياسياً يقول له عملياً: هكذا يتحدث أهل السلطة عندما يختلفون.
ثم نسأل: لماذا تراجع مستوى النقاش الشعبي العام إلى الدرك الأسفل؟
ربما لأننا رفعنا السياسيين إلى أعلى المنابر، وتركنا اللغة تسقط إلى أسفل الدرج.
لبنان لا يحتاج إلى سياسيين يتقنون الصراخ أكثر، ولا إلى خطباء يجيدون التخوين أكثر،
ولا إلى محترفي خصومات لفظية.
لبنان يحتاج إلى من يفهم أن هيبة الموقع لا تُعطي الكلام هيبةً تلقائية، وأن المنصب لا يصنع رجل الدولة، ورفع الصوت لا يصنع الهيبة، والشتيمة لا تصنع قوة السلطة على الشعب، والتخوين لا يبني وطناً.
وربما آن الأوان لأن نسأل أصحاب المواقع العالية سؤالاً بسيطاً جداً: إذا كان هذا هو مستوى خطابكم، فماذا بقي من مستوى المسؤولية؟
لكن السؤال وحده لم يعد كافياً، ما نحتاجه هو المحاسبة،
المحاسبة السياسية أولاً، عبر الرأي العام والإعلام والانتخابات والمؤسسات، والمحاسبة القانونية، حيث يتجاوز الكلام حدود القانون، فلا يجوز أن تكون المسؤولية العامة امتيازاً بلا ثمن، ولا أن يكون المنصب درعاً يحمي صاحبه من تبعات ما يقول ويفعل.
آن الأوان لأن يعرف السياسي أن الكلمة مسؤولية، وأن المنبر العام ليس ملكاً شخصياً، وأن المواطن ليس جمهوراً للتصفيق ولا وقوداً لمعركة انتخابية أو حزبية.
مَن يرفع مستوى خطابه، نرفع مستوى احترامنا له، ومَن يهبط به إلى القاع، عليه أن يتحمل كلفة هذا الهبوط.
فالديمقراطية ليست فقط حق السياسي في أن يتكلم؛ إنها أيضاً حق المواطن في أن يحاسبه على ما يقول ويفعل، وهنا تبلغ المفارقة ذروتها:
ارتفع مستوى المُتخاطبين، وبقي الخطاب في الحضيض. أما المطلوب اليوم، فليس أن نخفض مستوى المُتخاطبين، بل أن نرفع مستوى المحاسبة، حتى لا يبقى الحضيض مكاناً آمناً لمن يتكلم من أعلى المنابر.
المقاومة الثقافية. "سموتريتش" العنصري: ما فعلناه في جنوب لبنان من عمليات التطهير لا مثيل له _ د. نسيب حطيط
الآتي أعظم.. "ما جهّزته صنعاء خارج الحسابات السعوديّة"! - ماجدة الحاج
طوفان الأقصى... بين الإدانة والتفهم واستخلاص العِبر _ د. نسيب حطيط