خاص الثبات
على امتداد سنوات العدون السعودي على اليمن، لم يعد الوضع محصوراً في خطوط التماس العسكرية، بل أصبح أيضاً معركة على الوعي والرواية والصورة التي تُقدَّم للرأي العام. فكل تقدم ميداني أو تراجع محدود يتحول سريعاً إلى مادة إعلامية تحمل دلالات سياسية تتجاوز حجمه الحقيقي على الأرض.
وفي هذا السياق، ترى الحقيقة القادمة من صنعاء أن القوات المسلحة اليمنية تمكنت خلال مراحل مختلفة من الحرب من استعادة مساحات واسعة من الأراضي، وأن ما يُثار حول خسارة مناطق استراتيجية أو انهيار الجبهات لا يعكس بالضرورة حقيقة الوضع العسكري. ووفق هذا الطرح، فإن بعض التحركات في محاور تعز وباب المندب يمكن قراءتها باعتبارها إعادة انتشار أو انسحاباً تكتيكياً مؤقتاً، لا انهياراً شاملاً في الميدان.
لكن أهمية التطورات لا تكمن في الخرائط وحدها، بل في انعكاساتها على السكان. فالمشهد اليمني يكشف عن تفاوت واضح في تجربة الناس بين المناطق الخاضعة لمختلف القوى المتصارعة. وفي المناطق التي استطاعت صنعاء بسط نفوذها فيها، يبرز أنصارها جملة من العوامل التي يرون أنها أسهمت في تعزيز قبولها الشعبي، وفي مقدمتها توفير مستوى من الأمن والاستقرار، والحفاظ على انتظام نسبي في الخدمات والأسواق والطاقة رغم ظروف الحصار والحرب.
في المقابل، تواجه المناطق الواقعة تحت نفوذ القوى المناوئة لصنعاء التابعة للرياض تحديات مرتبطة بتعدد مراكز القرار وتباين الولاءات السياسية والعسكرية. فالتنافس بين القوى المدعومة من الرياض وأبوظبي، إلى جانب الانقسامات الحزبية والمناطقية، أوجد واقعاً سياسياً شديد التعقيد، انعكس بصورة مباشرة على إدارة المناطق الخاضعة لها.
غير أن العامل الأكثر تأثيراً في الوعي الشعبي اليمني خلال السنوات الأخيرة قد يكون الموقف من القضية الفلسطينية والحرب على غزة. فقد حاولت صنعاء تقديم عملياتها الإقليمية باعتبارها جزءاً من معركة إسناد للفلسطينيين، وهو خطاب وجد صدى لدى قطاعات من اليمنيين الذين ينظرون إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية مركزية.
وفي الجهة المقابلة، تعرضت القوى اليمنية المناهضة لصنعاء لانتقادات بسبب مواقفها من التطورات في غزة، ولا سيما عندما بدا خطاب بعض التيارات أكثر انسجاماً مع حسابات حلفائها الإقليميين من انسجامه مع المزاج الشعبي المتعاطف مع الفلسطينيين. وهنا لم يعد الصراع مجرد منافسة على السلطة داخل اليمن، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالسؤال عن موقع اليمن في الإقليم، وعن حدود استقلال قراره السياسي والعسكري.
ومن ثم، فإن تفسير التفاعلات الشعبية في اليمن يحتاج إلى تجاوز لغة الدعاية والانتصارات المعلنة. فالمعادلة الحقيقية تتشكل من الأمن والخدمات والاقتصاد والهوية السياسية، إضافة إلى الموقف من القضايا الإقليمية الكبرى.
وفي النهاية، تبدو الحرب اليمنية أقرب إلى صراع على الشرعية والتمثيل والهوية بقدر ما هي صراع عسكري. ومن ينجح في إقناع اليمنيين بأنه أكثر قدرة على حماية مصالحهم والحفاظ على قرارهم المستقل، سيكون أقدر على تحويل النفوذ الميداني إلى نفوذ سياسي طويل الأمد.
أمريكا تقتل العرب الذين "وأدوا" فلسطين وقاتلوا المقاومين _ د. نسيب حطيط
الجنوب اللبناني: تفاوض معلّق على خرائط المنطقة _ د. ليلى نقولا
أقصر الطرق لإنهاء المقاومة: الانسحاب "الإسرائيلي" والالتزام بالقانون الدولي _ د. نسيب حطيط