أقلام الثبات
ليست المشكلة الأميركية في الخليج أن بعض القواعد تضررت، لأن أميركا قادرة على ترميمها، ولكن الحرب أثبتت أن منشآت كانت تُعد جزءًا من منظومة الردع والحماية لم تعد بمنأى عن الاستهداف، لا بل باتت جاذبة للصواريخ والمسيرات.
ويبقى السؤال المزدوج: هل ما زالت الأنظمة الخليجية تعتقد أن القواعد الأميركية حامية لها بعد هذه الضربات؟ وهل الشعب الخليجي المُرَفَّه، على استعداد لأن يعيش زهد الحياة في أمنه واقتصاده من أجل حماية وهمية؟
والجواب الطبيعي، أن غياب التوافق على أمن إقليمي يحمي دول الخليج، يترك العروش العائلية مذعورة تبحث عن حضن خارجي بالإيجار.
فواشنطن قادرة على ترميم المنشآت واستبدال الطائرات وإعادة تشغيل ما تعطّل، لكن السؤال الأصعب هو: هل لا يزال نموذج الانتشار العسكري القائم على عدد محدود من القواعد الكبرى صالحاً في بيئة أصبحت فيها الصواريخ والمسيّرات قادرة على الوصول إلى مراكز القيادة والطائرات والرادارات والمنشآت اللوجستية؟
خلال الحرب تعرضت منشآت أميركية في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات والأردن لأضرار، فيما أصيبت طائرات ومنشآت قيادة واتصالات ومعدات عسكرية، وكان الضرر الذي لحق بمنشأة الدعم البحري في البحرين، مقر الأسطول الخامس، وبمركز العمليات الجوية في قاعدة العديد بقطر، ذا دلالة خاصة على هشاشة بعض العقد الرئيسية في شبكة الانتشار الأميركي.
وفي الأردن، تعرضت قاعدة موفق السلطي لهجوم أصيبت خلاله طائرات أميركية، بما يؤكد أن نقل بعض القدرات بعيدًا عن الخليج لا يلغي مشكلة القواعد الثابتة، بل قد ينقلها جغرافياً.
لذلك تبدو القضية أبعد بكثير من إعادة الإعمار. فالمسألة لم تعد كم طائرة يمكن استبدالها، ولا كم مبنى يمكن ترميمه، بل ما إذا كان النموذج الذي بُني عليه الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة لا يزال قادرًا على أداء الوظيفة التي أُنشئ من أجلها.
وقد تتجه واشنطن إلى تقليص حجم التجمعات العسكرية الكبرى، وتوزيع القوات والمعدات على مواقع أكثر، مع زيادة الاعتماد على القوات البحرية والطيران بعيد المدى، والمخزونات المسبقة، ومراكز القيادة البديلة، وشبكات الدفاع الجوي والصاروخي.
وهذا لا يعني بالضرورة انسحاباً أميركياً من الخليج، فقد يتغير شكل الوجود من دون أن يتراجع النفوذ: قوات أقل تمركزاً، وقدرة أكبر على الحركة، وقواعد رئيسية تعمل ضمن شبكة أوسع، بدل أن تكون نقاطاً منفردة يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى شل جزء كبير من العمليات.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع إعادة رسم خريطة الانتشار الأميركي في المنطقة، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بموقع القاعدة وحده، بل بقدرتها على الاستمرار في العمل تحت النار. أما الأردن، فقد تزداد أهميته كموقع إقليمي للقدرات الجوية والاستخباراتية، لكن إصابة قاعدة موفق السلطي أظهرت أيضًا أن المسافة وحدها لم تعد توفر الحماية الكافية.
وهنا تنتقل المسألة من العسكري إلى السياسي.
الدول الخليجية تريد استمرار المظلة الأميركية، لكنها تريد في الوقت نفسه ضمان ألا تتحول أراضيها إلى ساحات مواجهة دائمة. وهذه معادلة تضع الثقة بالضمانة الأميركية أمام اختبار جديد.
والولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بحرية الحركة والردع، لكنها تحتاج في المقابل إلى طمأنة حلفائها بشأن كلفة وجودها العسكري على أراضيهم.
لذلك قد نشهد إعادة تفاوض على توزيع الأدوار والمخاطر: من يتولى الدفاع؟ وما حجم المسؤولية التي يتحملها الحلفاء؟ وما حدود الالتزام الأميركي إذا تعرضت دولة شريكة لهجوم بسبب وجود القوات الأميركية فيها؟
المعادلة المقبلة، إذن، قد لا تكون بين "البقاء" و"الانسحاب"، بل بين وجود أميركي كثيف ومتمركز، ووجود أكثر توزيعاً ومرونة وأقل قابلية للاستهداف.
لكن هنا تكمن المفارقة، فكلما زادت الحاجة إلى القواعد الأميركية لحماية الحلفاء، زادت احتمالات تحول هذه القواعد نفسها إلى أهداف. وكلما توسع الوجود العسكري الأميركي في دولة خليجية، ارتفعت كلفة تحويل أراضيها إلى جزء من الصراع.
وبذلك يجد الحليف الخليجي نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: القاعدة الأميركية تمنحه مظلة ردع، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل أرضه هدفًا، والولايات المتحدة تمنحه وعداً بالحماية، لكنها لا تستطيع أن تمنحه جغرافيا محصنة ضد الصواريخ والمسيّرات.
القواعد يمكن ترميمها، والطائرات يمكن استبدالها، والمنشآت يمكن إعادة بنائها، لكن الثقة التي تتآكل تحت النار لا تُرمَّم بالإسمنت، ولا تُعاد بطارية دفاع جوي إلى ما كانت عليه بمجرد إعادة تشغيلها.
وهنا تحديداً تكمن المسألة.
إذا كانت القاعدة التي يُفترض أن تحمي الحليف تحتاج هي نفسها إلى الحماية، وإذا كان وجودها العسكري يتحول إلى سبب إضافي لاستهداف الدولة المضيفة، فإن السؤال لم يعد: كم قاعدة تستطيع الولايات المتحدة أن تبني؟
السؤال الحقيقي هو: ما قيمة قاعدة لا تستطيع حماية نفسها، وما قيمة مظلة أمنية تجعل أرض الحليف أكثر عرضة للحرب؟
لقد تغيّر مفهوم القوة في الخليج. لم يعد كافياً أن تكون لدى واشنطن قواعد وطائرات وسفن وقوات منتشرة على الخريطة. المطلوب هو أن تستطيع استخدام هذه القوة عندما تتعرض منظومتها نفسها للاختبار.
ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرد ورشة لإعادة بناء القواعد المدمرة، بل اختباراً لجدوى الوجود الأميركي برمته.
فإذا أعادت واشنطن بناء القواعد بالطريقة نفسها، ووزعت الطائرات بالطريقة نفسها، وأبقت الحلفاء في الموقع نفسه، ثم انتظرت نتيجة مختلفة في الحرب المقبلة، فهي لا تعيد بناء الردع، بل تعيد بناء الأهداف.
القواعد تُرمَّم، والطائرات تُستبدل، والمنشآت تُعاد... أما الوهم فلا يُعاد بناؤه.
لقد كشفت الحرب أن الجغرافيا التي كانت تمنح أميركا نفوذاً في الخليج يمكن أن تتحول، في لحظة واحدة، إلى جغرافيا لاستنزافها.
ومن هنا، فإن المعركة المقبلة لن تكون على عدد القواعد الأميركية في الخليج، بل على سؤال أكثر إحراجاً لواشنطن وحلفائها: هل تستطيع أميركا أن تحمي الخليج من دون أن تجعل الخليج نفسه خط الدفاع الأول عن قواعدها؟
وإذا لم تجد واشنطن جواباً مقنعاً، فقد تكتشف أن أخطر ما أصاب قواعدها لم يكن الصواريخ التي ضربتها، بل الثقة التي سقطت معها.
"المسلمون" بين التحشيد لغزو اليمن.. والقعود عن نصرة غزة ولبنان _ د. نسيب حطيط
بين الميدان والإعلام: قراءة في التحولات داخل المشهد اليمني ـ محمد دياب
أمريكا تقتل العرب الذين "وأدوا" فلسطين وقاتلوا المقاومين _ د. نسيب حطيط