أقلام الثبات
تُطلّ الذكرى الثالثة لتهجير وسقوط القرى الحدودية في قبضة الاحتلال "الإسرائيلي"، معلنةً بدء السنة الرابعة للنزوح، والتي بدأت بـ12 قرية وتضاعفت أعدادها بعد «حرب المئة يوم» لتصل إلى 70 قرية، مع استمرار المخاوف من توسعها وفق المخطط الذي يحدّد نهر الليطاني حدوداً "لإسرائيل" في مرحلة أولى.
ويأتي هذا الواقع نتيجةً لخطأ استراتيجي في نص القرار 1701، بقبول أن تكون المنطقة الخالية من السلاح والمقاومين تمتد إلى جنوبي نهر الليطاني - بما فيها مدينة صور - بدلاً من حصرها في مسافة أقصر توازي خط الحدود اللبنانية - الفلسطينية.
لم يقصّر المقاومون الشجعان في التصدي والقتال، ولا زالوا، رغم عدم تكافؤ القوى، وتكاثر الأعداء والخصوم وأهل الغدر، وليس من الإنصاف والمصلحة أن تبقى مسؤولية حفظ الجنوب على المقاومين في الميدان وتقصير الباقين من المجتمع المقاوم من البلديات وهيئات المجتمع الأهلي والمؤسسات الرسمية، ومثقفين وخبراء ومهندسين وإعلاميين وأهل اختصاص لحفظ هوية وذاكرة القرى المحتلة، فإن سقطت الجغرافيا "مؤقتاً"، فلا بد من حفظ تاريخ هذه القرى وخرائطها وصورها ورواياتها وعدم نسيانها، لتبقى في ذاكرة الأجيال الجديدة، ونحن نرى تطبّع المجتمع مع الأمر الواقع نتيجة بث اليأس في نفوسه باستحالة تحرير الأرض وقدرة المحتل على الوصول إلى أي قرية يشاء، بالتلازم مع غياب الرعاية والمساعدة الحقيقية للنازحين من هذه القرى، مما دفعهم للتفتيش عن حياة جديدة لناحية السكن والتعليم والتجارة والعمل.
خسر "العامليون" الجنوبيون القرى السبع وغيرها من القرى أثناء تقاسم الاستعمار الفرنسي والإنجليزي للأراضي في لبنان وفلسطين، وحتى لا تلحق "السبعون قرية" جنوبي الليطاني "بالقرى السبع" داخل فلسطين، لا بد من المبادرة لحراك مدني وقانوني وسياسي وثقافي يتكامل مع الجهد الميداني العسكري الذي يقوم به المقاومون، وفق خطة تحرير الأرض وعودة أهاليها مهما كان الزمن طويلاً، ولنا تجربة سابقة بعدما استطعنا تحرير الأرض بعد 22 عاماً من الاحتلال، مع فارق أن القرى بقيت بمبانيها وبيوتها وعمرانها وبعض أهلها، أما اليوم فبعد تجريف وتدمير القرى وتغيير معالمها وتحويلها إلى أرض محروقة لا معالم فيها حتى المقابر، مما يستدعي حالة طوارئ ثقافية وتاريخية لتوثيق وأرشفة القرى والتأسيس لصناعة "بطاقة هوية "عمرانية وثقافية لكل قرية لتكون خميرة عاطفية وتاريخية للذين لم يولدوا بعد والذين ولدوا بعد الاحتلال لعدم نسيانها وإعادة تحريرها.
أخطر مظاهر محو الهوية هو ذوبان أهل القرى المحتلة وتشتتهم في الجغرافيا وفقدانهم لهويتهم على مستوى الحي أو المنطقة أو التجمع فقط، لقد هرب الفلسطينيون ولكن مخيماتهم لا زالت جزء أساسيا لحفظ الهوية والذاكرة والقضية، أما أهالي "القرى السبعين" فلا تجمع جغرافي لهم ولا هيئة مركزية لمتابعة شؤونهم وعلى مشارف العام الثالث، نرى تطبّعاً ومساكنة خطيرة للواقع وتقبّله كأمر لا يمكن تغييره ولا بد من القبول به دون اعتراض مؤثر ومسموع وحتى لا تضيع "القرى السبعون "من الذاكرة والواقع، ندعو إلى ما يلي:
تأسيس هيئة مركزية للقرى المحتلة، مع هيئات فرعية لكل قرية تضم البلدية والمخاتير وعلماء الدين وأصحاب اختصاص متطوعين.
جمع كل المستندات لحفظ الملكية من" سندات وحجج بلدية وعقود" وخرائط، والبدء بتصميم مخططات توجيهية للقرى بعد تحريرها.
جمع وتوثيق كل الصور من الأهالي وكل أشرطة التصوير من فيديوهات وأفلام وتأسيس مكتبة رقمية لكل قرية، وإقامة معارض سنوية.
إعلان يوم "القرية المحتلة" مناسَبة لإحياء ذكرى التهجير وإقامة التجمع لأهالي كل قرية لتثبيتها في الذاكرة مع أطفالهم.
صناعة التذكارات والميداليات عن معالم كل قرية، ورسم لوحات للقرية وأحيائها ومعالمها لتكون في كل بيت لمقاومة النسيان ولتعريف الأجيال القادمة بقريتهم التي دمرها الاحتلال، مع تشجيع الأناشيد والزجل الذي يحكي حكايات الضيعة وتاريخها وكتابة الروايات والقصص عنها.
تخصيص أرض في الجنوب لتكون مقبرة لموتى كل قرية، سواء من أراضي الأوقاف أو بتكافل أهل القرية لشراء أرض وعدم دفن الموتى حيث يسكنون، لتكون المقبرة ساحة تجمع في الأعياد ونقطة ارتكاز لحفظ الهوية وتلاقي أهل القرية الذين شتتهم وفرقهم الاحتلال.
تشكيل لجنة قانونية لجمع الوثائق والمستندات لتأسيس ملف قانوني لمقاضاة الاحتلال ومسؤوليه في المحاكم الدولية وعدم الاستخفاف بهذا الأمر، فإن لم يتم تحصيل نتائج ظرفية لكنه يحفظ الحق التاريخي للأهالي المتضررين على المستوى المعنوي والمادي.
معاً حتى لا ننسى.. الذاكرة سلاح تحرير "القرى السبعين "... التي سنعود إليها بإذن الله.
فلنحافظ على هوية القرى "السبعين"... حتى لا تلقى مصير "القرى السبع" _ د. نسيب حطيط
الجمعة 02 تشرين الأول , 2026 02:05 توقيت بيروت
أقلام الثبات
نتنياهو... والانتخابات بالنار والدم _ د. نسيب حطيط
اليمن.. "عاصفة الحزم العكسية".. وقدرة المواجهة حتى الرَّمَق _ أمين أبوراشد
الأفق التفاوضي مسدود.. وفتحه بتخلي أميركا عن عنجهيتها _ يونس عودة