اليمن.. "عاصفة الحزم العكسية".. وقدرة المواجهة حتى الرَّمَق _ أمين أبوراشد

الخميس 01 تشرين الأول , 2026 11:38 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

عندما غادر الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي بلاده إلى السعودية عام 2015، في محاولة لإدارة السلطة من الرياض، قال أحد الناشطين اليمنيين إن تاريخ اليمن يشهد بألا أحد يستطيع أن يحكمها من الخارج، ولا أن يغادرها ثم يعود ليستعيد السلطة، واستشهد بعدد من الرؤساء الذين غادروا ولم يتمكنوا من استعادة الحكم، ومنهم عبدالرحمن الإرياني بعد خروجه من السلطة عام 1974، وعلي ناصر محمد بعد أحداث 1986، وعلي سالم البيض بعد حرب 1994.
قد لا تنطبق هذه الحالات جميعاً بالدرجة نفسها، لكن الفكرة التي تختزنها تستحق التوقف عندها: اليمن بلد شديد الصعوبة على من يحاول إدارته من خارجه، وشديد التعقيد على من يراهن على أن القوة وحدها تكفي لإخضاعه.
وفي ميزان الحروب، لا تكفي معرفة من يملك الطائرات الأكثر تطوراً، والصواريخ الأبعد مدى، والاقتصاد الأقدر على تمويل المعركة. السؤال الأكثر صعوبة هو: من يستطيع أن يبقى واقفاً عندما تصل الحرب إلى لحظة الإنهاك؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة المواجهة الطويلة بين السعودية والحوثيين، فالفارق في الإمكانات التقليدية لا يحتاج إلى إثبات. السعودية دولة ذات قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، فيما الحوثيون قوة مسلحة تعمل في بيئة يمنية شديدة التعقيد، وتستفيد من طبيعة جغرافية وسياسية واجتماعية تجعل الحرب ضدها أكثر صعوبة من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.
ومع ذلك، لم يؤدِّ التفوق العسكري السعودي، خلال سنوات الحرب، إلى حسم نهائي ينهي قدرة الحوثيين على القتال، وهنا تكمن المفارقة؛ الحوثيون لم يحتاجوا إلى أن يصبحوا أقوى من السعودية؛ كان يكفيهم أن يظلوا قادرين على مواجهتها.
هذه القدرة على البقاء هي جوهر الاستنزاف، فجماعة "أنصار الله" استطاعت رغم الضربات الجوية والضغط العسكري والاقتصادي، المحافظة على بنية عسكرية قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعلى إعادة بناء جزء من قدراتها بعد الضربات. وتظهر تقارير الأمم المتحدة المتعلقة باليمن أن الضربات ألحقت أضراراً كبيرة بالقدرات والمنشآت العسكرية الحوثية، لكنها لم تُنهِ القدرة على إنتاج السلاح وتطويره محلياً، الأمر الذي جعل القضاء الكامل على القدرات العسكرية للجماعة أمراً بالغ الصعوبة.
والأهم أن الحوثيين قاتلوا وفق معادلة مختلفة عن تلك التي تقاتل بها دولة نظامية، فالسعودية تحتاج في نهاية المطاف إلى نتيجة سياسية وأمنية واضحة: يمن مستقر لا يشكل مصدر تهديد لأراضيها وحدودها ومصالحها، والحوثيون لا يحتاجون إلى تحقيق انتصار عسكري شامل حتى يعتبروا أنهم حققوا هدفاً استراتيجياً، يكفيهم أن يمنعوا خصومهم من فرض تسوية عليهم بالقوة، وأن يحتفظوا بمناطق نفوذهم وبقدرة عسكرية مستقلة.

وهنا تصبح الحرب غير متكافئة في أحد أبعادها الأساسية، فالضربة التي توجهها دولة إلى جماعة مسلحة قد تكون أكثر تدميراً من الضربة التي تستطيع الجماعة توجيهها إليها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نتيجتها السياسية أكبر. يستطيع سلاح أقل كلفة وتعقيداً أن يفرض على دولة بكامل مؤسساتها وأجهزتها الدفاعية حالة دائمة من الاستنفار والحماية والإنفاق.

وقد ظهر ذلك مجدداً مع تصاعد الهجمات المتبادلة في عام 2026، حيث أعلنت السعودية اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، فيما أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات استهدفت مواقع ومنشآت داخل السعودية، ومهما اختلفت الروايات حول حجم الأضرار ونجاح كل هجوم، فإن مجرد استمرار القدرة على إطلاق هذه التهديدات بعد سنوات طويلة من الحرب يكشف أن معادلة الردع لم تُحسم بصورة نهائية.
لكن المسألة لا تتعلق بالصواريخ وحدها، فالتحرك الحوثي على ساحل البحر الأحمر يضيف بعداً استراتيجياً آخر إلى المواجهة، وكلما اقتربت العمليات من باب المندب، لم يعُد الأمر قضية سعودية أو يمنية محضة، بل أصبح مرتبطاً بأمن الملاحة والتجارة والطاقة، وبمصالح دولية تتجاوز حدود الصراع اليمني.
وهنا يصبح الاستنزاف أكثر وضوحاً: خصم "أصغر" نسبياً يستطيع توسيع مساحة التهديد أكثر مما يستطيع خصمه "الأكبر" أن يغلقها بسهولة، لكن من الخطأ تحويل هذه الحقيقة إلى أسطورة عن "تفوّق حوثي" مطلق، فالسعودية ما زالت تمتلك تفوقاً هائلاً في الموارد والقدرات الجوية والدفاعية والاقتصادية، كما أن نسبة مهمة من الهجمات الصاروخية والمسيّرة يتم اعتراضها، والقدرة على إطلاق صاروخ لا تعني بالضرورة القدرة على إصابة هدفه أو إحداث أثر استراتيجي متناسب مع كلفة الدفاع عنه.
المسألة إذن ليست: مَن الأقوى؟ بل: من يستطيع أن يفرض على الآخر معركة لا يستطيع إنهاءها؟
وهنا تكمن أهمية السنوات الطويلة من الحرب، فقد تعرض الحوثيون لضربات قاسية، وخسروا مواقع ومقاتلين ومنشآت، لكنهم لم يفقدوا القدرة على إعادة إنتاج القوة العسكرية، وفي المقابل، لم تتمكن السعودية من تحويل تفوقها العسكري إلى نهاية حاسمة للصراع.
إنها معادلة "الرَّمَق الأخير"، والطرف الذي يحتفظ بقدرته على المواجهة بعد سنوات من الحرب يظل قادراً على التفاوض من موقع مختلف عن الطرف الذي كان يراهن على أن الزمن سيؤدي وحده إلى انهيار خصمه.
ولهذا فإن أبرز ما يمكن استخلاصه من التجربة ليس أن الحوثيين أصبحوا أقوى من السعودية، فهذا استنتاج لا تدعمه موازين القوة التقليدية، إنما قدرتهم على البقاء والمقاومة جعلت قوتهم أصعب على الكسر مما كان متوقعاً.
هذه ربما هي نقطة التحول الحقيقية في الحرب: عندما يصبح القضاء على الخصم أكثر كلفة وتعقيداً من الوصول إلى تسوية معه، يتحول البقاء نفسه إلى أداة قوة.
من هنا يمكن استخدام عبارة "عاصفة الحزم العكسية"  بوصفها توصيفاً لظاهرة سياسية وعسكرية، لا لحرب متكافئة بين طرفين متساويين: "عاصفة" بدأت بتفوق هائل في القوة التقليدية، لكنها واجهت خصماً استطاع تحويل الجغرافيا والاستنزاف والقدرة على الاحتمال إلى أدوات لمواصلة المواجهة.
لقد أثبت الحوثيون أنهم قادرون على الوصول إلى "الرَّمَق" والقتال عنده، ويبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع الأطراف المقابلة تحقيق الحسم بعد أن تحوَّل هذا الرَّمَق إلى قدرة جديدة على الاستمرار والتوسُّع؟


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل