خاص الثبات
عن مَن أتكلّم؟
عن أبٍ كان إذا حضر، استراح الخوفُ في صدورنا؟
أم عن قائدٍ كان يضع على كتفيه أثقالَ الذين لا يعرفون كيف يحملون أثقالهم؟
مَن أرثي، ومن أبكي؟
أأرثي رجلًا غاب، أم أرثي جهةً من جهات الأمان انطفأت؟
أأبكي وجهًا رحل، أم أبكي زمنًا كان لهذا الوجه فيه معنى؟
رحمةُ الله إلى رحمةِ الله...
رحمةُ الله على رجلٍ لم يكن يمشي في الناس، بل كانت الطمأنينة تمشي معه.
كان إذا تكلّم، كأنّ للكلمات آباءً من الصمت قبل أن تولد؛ وإذا سكت، ترك لصمته من المعنى ما تعجز عنه الخُطب.
كان أبًا بطريقةٍ لا تحتاج إلى نسب.
أبًا لأنّ في حضوره اتساعَ صدرٍ يتّسع للمنهكين، ولأنّ عينيه كانتا تعرفان إلى أين يذهب الوجع قبل أن ينطق صاحبه.
وكان قائدًا بطريقةٍ لا تشبه القادة.
لم يكن يحمل الناس فوق كتفيه؛ كان يحمل ما عجز الناس عن حمله في قلبه.
وهذه، لعمري، مشقّةٌ لا تُرى.
فالناس ترى القائد واقفًا، ولا ترى كمّ الأشياء التي كان عليه أن يجلس بها وحده في داخله.
كان يعرف أن القيادة ليست أن تكون في مقدمة الصف، بل أن تكون آخر من يسمح لنفسه بالسقوط.
وكان يعرف أن البصيرة ليست أن ترى الطريق فقط، بل أن ترى العتمة التي ستأتي قبله.
يا له من رجل...
كانت له هيبةٌ لا تستعيرها الملابس
وسكينةٌ لا يمنحها العمر
وصمتٌ لم يكن فراغًا من الكلام، بل امتلاءً بما لا يُقال.
كان من أولئك الذين إذا جلسوا في المكان، اعتدل المكان من تلقاء نفسه.
ومن أولئك الذين لا تحتاج إلى أن تسأل عن وزنهم؛ يكفي أن يغيبوا، فتعرف الأشياء بعدهم كم كان حضورهم يزن.
رحم الله من كانت له في قلوب محبّيه غرفةٌ لا يدخلها الغياب.
رحم الله رجلًا لم يكن يكتفي بأن يرى الناس، بل كان يرى ما وراء وجوههم؛ يرى خوفهم حين يتظاهرون بالقوة، ويرى انكسارهم حين يتكلمون بثبات، ويرى الحاجة المختبئة خلف الكبرياء.
كانت بصيرته، في ما يصفه محبّوه، نافذةً مفتوحةً في جدارٍ كثيف من الأيام؛ يرى منها ما لا تراه العيون المستعجلة.
ولذلك، حين كان يتقدّم، لم يكن الذين خلفه يرون ظهره فقط؛ كانوا يرون جهةً للطريق.
واليوم...
لا أعرف كيف يُرثى رجلٌ كان حضوره يشبه الإجابة.
كيف نكتب عن الغياب، ونحن لم نتعلّم بعد كيف يكون الغياب حين يغيب من كان يملأه؟
إنّ بعض الرجال حين يموتون، تفرغ منهم المقاعد.
وبعضهم حين يرحلون، تظل المقاعد واقفةً كأنها تنتظر عودتهم.
رحم الله أبا هادي...
لم تكن الأبوة عنده قرابةً في الدم فقط، بل قرابةً في الحنان والمسؤولية.
وكانت القيادة عنده امتحانًا دائمًا للضمير، لا امتيازًا دائمًا للنفس.
وما أصعب أن تفقد الأمة رجلًا كانت تسمع في صوته شيئًا من صوت الأب، وترى في ثباته شيئًا من ثبات الجبل، وتلمح في عينيه شيئًا من رجلٍ سبقته بصيرته إلى الطريق قبل أن تصل إليه قدماه.
رحمةُ الله عليك...
يا من كان يملك من الصمت ما يكفي ليقول الكثير
ومن الحضور ما يكفي ليغيب الكلام
ومن البصيرة ما يجعل الطريق أقلّ وحشةً على الذين يمشون خلفه.
رحلتَ لكنّ الرحيل لم يأخذ كل شيء.
ترك لنا صوتًا في الذاكرة
ووجهًا في القلب
وأثرًا في الأيام
وسؤالًا لا يملك الحزن جوابًا عنه:
كيف يمكن لقلبٍ اعتاد أن يتكئ عليك، أن يتعلّم الوقوف بعدك؟
رحمةُ الله إلى رحمةِ الله...
فيا ربّ، إن كان قد حمل عن الناس ما أثقلهم
فاحمل عنه ما أثقله.
وإن كان قد أضاء لهم بعض الطريق
فاجعل له في رحمتك نورًا لا ينطفئ.
وإن كانت قلوبنا اليوم عاجزةً عن وداعه
فاجعل هذا العجز دعاءً
وهذا الدمع وفاءً
وهذا الحزن شهادةً على أثر رجلٍ لم يكن مروره في الحياة عابرًا.
رحم الله رجلًا إذا غاب، لم نبحث عن بديلٍ له في المكان، بل بحثنا عن شيءٍ من أثره فينا.
رحمةُ الله عليك يا أبا هادي.
سلامٌ على الأب في أبوتك
وسلامٌ على القائد في قيادتك
وسلامٌ على الإنسان في إنسانيتك
وسلامٌ على روحٍ مضت إلى ربّها
وتركت خلفها قلوبًا تقول:
ما أقصر الطريق بين أن يكون الرجل حاضرًا في أعيننا، وأن يصبح حاضرًا في كل شيءٍ بعد غيابه.
بمفعولٍ رجعي… الحكومة اللبنانية تعلن "السيد الشهيد" خارجاً عن القانون _ د. نسيب حطيط
المقاومة... من "البيجرات" العسكرية إلى "البيجرات" السياسية والتنظيمية _ د. نسيب حطيط
من يحكم العراق.... أمريكا أم العراقيون؟ _ د. نسيب حطيط