الأمم المتحدة... "الكذبة العالمية الأولى": من شريعة الغاب إلى تشريع الافتراس _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 29 أيلول , 2026 05:13 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
في عام 1945، لم تكن البشرية تبني منظمة دولية فحسب؛ كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها تعلّمت دروس حربين عالميتين، وملايين القتلى، وخراب دول، وخرج العالم بوعد كبير: لن تعود القوة وحدها هي القانون، ولن يبقى الضعيف متروكاً لمصيره أمام القوي.
وُلدت الأمم المتحدة على أنقاض الأحلام المنتحرة، وحملت إلى العالم مفردات بدت يومها أقرب إلى الخلاص: السلام، والعدالة، والمساواة، والقانون الدولي، وحق الشعوب.

لكن ثمانية عقود تكفي لطرح سؤال لا يبدو مريحاً داخل المبنى الأممي: هل انتهت شريعة الغاب فعلاً، أم أننا نجحنا فقط في إعطائها اسماً دبلوماسياً وارتدت الذئاب ربطات عنق؟
وفي هذه الجمعية التي يحكم مجلس الأمن فيها خمس دول كبرى عبر حق النقض "الفيتو"، هناك خمسة زعماء اعتلوا منبرها ولن ينساهم التاريخ: فيديل كاسترو، وياسر عرفات، وهوغو تشافيز، ومعمر القذافي، ومنذ أيام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتاريخ يحفظ للقذافي جرأته عندما مزَّق ميثاق الأمم المتحدة على المنبر ورماه خلفه عام 2009.
في 26 أيلول/سبتمبر 1960، وقف الزعيم الكوبي فيدل كاسترو أمام الجمعية العامة، وألقى خطاباً استمر 269 دقيقة، مهاجماً الاستعمار والتدخل الأميركي، ومحذراً من نظام دولي تتحول فيه القوة إلى معيار للحق. وها هي كوبا اليوم، بعد مرور 66 عاماً على خطاب كاسترو، تتعرض لحصار أميركي متواصل على مرأى من الجمعية العامة، لأنها ترفض أن تكون "جمهورية موز".

وبعد أربعة عشر عاماً، في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، حمل ياسر عرفات القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، وقال عبارته الشهيرة: "جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي".

لكن أكثر من نصف قرن مرّ على ذلك الخطاب، وما زالت القضية الفلسطينية تبحث عن دولة كاملة السيادة، وعن تطبيق القرارات الدولية التي تراكمت على مدى عقود. وها هو الرئيس الفلسطيني محمود عباس يشارك في أعمال الجمعية العامة عبر تقنية الفيديو من رام الله، بعد تعذر حضوره إلى الولايات المتحدة، فيما اعتلى بنيامين نتنياهو منبر الجمعية العامة في ظل الحرب المدمرة في غزة، وسط احتجاجات ومقاطعة عدد من الوفود لكلمته.

أما هوغو تشافيز، فوقف في 20 أيلول/سبتمبر 2006 على المنبر نفسه، مهاجماً ما اعتبره هيمنة أميركية على النظام الدولي، وداعياً إلى إعادة النظر في بنيته. ولم تكن القضية بالنسبة إليه مجرد خطاب عابر، فقد ظل مطلب إعادة صياغة النظام الدولي حاضراً في خطابه السياسي، باعتباره نظاماً لا تزال فيه موازين القوة قادرة على فرض إرادتها على قرارات يفترض أنها تقوم على المساواة بين الدول.

ثم جاء معمر القذافي في 23 أيلول/ سبتمبر 2009، في واحد من أكثر خطابات الجمعية العامة إثارة للجدل؛ هاجم مجلس الأمن وانتقد حق النقض، وطرح سؤالاً لا يزال مطروحاً حتى اليوم: كيف يمكن الحديث عن مساواة الدول، بينما تمتلك خمس دول حقاً استثنائياً في تعطيل قرارات المجلس؟

وفي مشهد رمزي بقي عالقاً في الذاكرة، مزّق القذافي نسخة من ميثاق الأمم المتحدة أمام الحاضرين. قد يكون المشهد استعراضياً، وقد نختلف مع صاحبه في كثير من مواقفه، لكن رمزيته تختصر أزمة أعمق: ماذا يفيد القانون إذا كان تطبيقه يتوقف، في نهاية المطاف، على إرادة القوى القادرة على فرضه أو تعطيله؟

قد نختلف مع كاسترو وعرفات وتشافيز والقذافي، وقد نرفض كثيراً من سياساتهم وخياراتهم، لكن تجاهل الأسئلة التي طرحوها لا يلغيها. فالمشكلة ليست في ورقة الميثاق، ولا في عدد القرارات الصادرة عن المنظمة، بل في المسافة الفاصلة بين النص والتطبيق.

فالأمم المتحدة لم تفشل لأنها تفتقر إلى الخطب؛ لقد سمع العالم فيها خطباً لا تُحصى، ولم تفشل لأنها تفتقر إلى القرارات؛ فالأرشيف الأممي مليء بها، إنما السؤال الحقيقي هو: من يملك القدرة على تحويل القرار إلى فعل؟ ومن يملك القدرة على تعطيله؟

هنا تحديداً تظهر المفارقة الكبرى: نظام دولي يقوم في خطابه على المساواة في السيادة بين الدول، بينما يقوم مجلس أمنه على امتياز سياسي وقانوني لخمس دول دائمة العضوية تمتلك حق النقض. وبين المبدأ والممارسة، تتسع الفجوة كلما اصطدمت القرارات بمصالح القوى الكبرى.

وحين يصبح ميزان القوة أقوى من نص القانون، يصبح القانون الدولي مهدداً بأن يتحول من قاعدة عامة إلى أداة تستخدمها القوى وفق مصالحها. وعندها لا يعود السؤال: هل توجد قوانين دولية؟ بل يصبح السؤال الأصعب: على من تُطبَّق هذه القوانين، ومن يستطيع الإفلات منها؟

ومن هنا تأتي أهمية كلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر/أيلول 2026. فقد قدّم موقف بلاده في سياق مختلف عن خطب سابقيه، متحدثاً عن إيران التي تواجه ضغوطاً وتهديدات أميركية، لكنها في الوقت نفسه تترك باب التفاوض مفتوحاً أمام الدبلوماسية والمفاوضات.

رفض بزشكيان لغة الضغط والإكراه، وردّ على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً أن طهران مستعدة للحوار، ولكن من دون أن يكون التفاوض قائماً على التهديد أو فرض الإرادة بالقوة.

وقدّم الرئيس الإيراني بلاده باعتبارها الطرف الذي تعرّض للهجوم ولم يبدأ الحرب، وعرض صوراً لضحايا إيرانيين، بينهم أطفال، وللمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، في محاولة لوضع الرواية الإيرانية أمام المجتمع الدولي من على المنبر الذي يفترض أن يكون مساحة لسماع الأطراف المتنازعة، لا مجرد منصة لتبادل الاتهامات.

وفي الملف النووي، أعلن بزشكيان أن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل فرض قيود على الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وربط ذلك باحتياجات البلاد في مجالات الغذاء والدواء والصناعة.

أما مضيق هرمز، فشدد على رفض استخدامه ضد إيران، ودعا إلى أن يكون أمن الخليج والمنطقة قائماً على تعاون دول المنطقة نفسها، لا على وجود قوى خارجية.

وهكذا يعود السؤال القديم نفسه، ولكن بوجه جديد: ماذا تستطيع دولة أن تفعل عندما تذهب إلى الأمم المتحدة وهي تملك خطاباً، لكنها لا تملك القوة التي تفرض تنفيذ هذا الخطاب؟ وماذا تستطيع المنظمة الدولية نفسها أن تفعل عندما تصطدم إرادة القانون بإرادة الدول الكبرى؟

والخلاصة، وقف مسعود بزشكيان شامخاً ببلاده وشعبه على أرض الدولة التي تشنُّ العدوان على إيران، ووقفته هذه درس للتاريخ، أن لا جدوى من وقفة الضعفاء على منبر الأمم المتحدة، التي نجحت إلى حد بعيد في تشكيل منظمات إنسانية لخدمة البشرية عبر العالم، لكنها على المستوى السياسي فاشلة فاشلة  لا يملك أمينها العام في النزاعات الدولية سوى إبداء القلق.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل