أقلام الثبات
رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب العرض الإيراني الأخير، لكن ذلك لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب الشاملة في المنطقة، لأن دراسة طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تفيد أن الطرفين لطالما تعاملا مع بعضهما بعلاقة تمتد بين مدّ وجزر، وتمتاز العلاقة بينهما بالتعاون والتنافس والصراع في آن واحد، في نموذج يمكن وصفه بـ"التساكن"، حيث يتعايش الاشتباك والتفاوض ضمن العلاقة نفسها.
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران قائمة على معادلة بسيطة تفترض وجود حالة حرب أو حالة تفاوض. ففي معظم المحطات، كان الطرفان يجمعان بين الضغط والتفاوض، أي التعاون في ملفات مع انتهاج مبدأ الصراع والحروب بالوكالة في الوقت نفسه.
1- ماذا في جعبة كل طرف حالياً؟
- تدرك القيادة الإيرانية أن الإدارة الأميركية لا تزال تعتبر أن الضغوط العسكرية والاقتصادية التي مورست خلال الأشهر الماضية لم تستنفد أغراضها السياسية بعد. وفي المقابل، تدرك الإدارة الأميركية أن إيران لم تصل إلى مرحلة الانهيار أو القبول بالشروط الأميركية المطروحة، وهذا يعني أن كلاً من الطرفين ما زال يعتقد أن لديه أوراق قوة إضافية يمكن استخدامها لتحسين موقعه التفاوضي.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى العرض الإيراني باعتباره محاولة لاختبار مدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من مرحلة الضغط إلى مرحلة التسوية قبل الانتخابات النصفية التي تضغط على الحزب الجمهوري. رفض ترامب لأنه يعتقد أن الوقت ما زال يعمل لصالحه، خصوصاً إذا تجاوزت الإدارة الأميركية استحقاق الانتخابات النصفية من دون تداعيات اقتصادية أو سياسية كبيرة.
2- فعالية المراهنة على الوقت:
دخلت الإدارة الأميركية المواجهة وهي تراهن على أن التفوق العسكري والضغوط الاقتصادية سيؤديان سريعاً إلى إضعاف الموقف الإيراني وإجباره على تقديم تنازلات جوهرية، إلا أن ما حدث عملياً كشف أن إيران ما زالت تمتلك القدرة على الصمود وتحمل الضغوط، وأن كلفة استمرار المواجهة لا تقع على عاتقها وحدها.
لقد اتضح خلال الأشهر الماضية أن جزءاً مهماً من الضغوط المفروضة على إيران ينعكس أيضاً على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وشبكات النقل الإقليمية، كما أن موقع إيران الجغرافي يمنحها أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، فهي ليست مجرد دولة تخضع للضغوط، بل تشكل عقدة أساسية في عدد من الممرات التجارية التي تربط آسيا بالشرق الأوسط وروسيا وأوروبا.
3- تكمن العقدة في أن قدرة أي طرف على فرض الضغط لا تعني بالضرورة قدرته على تحمل كلفته، كما تستطيع الولايات المتحدة تشديد العقوبات، تستطيع إيران بدورها جعل كلفة هذه العقوبات تنتقل إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
لهذه الأسباب، يبدو الحديث عن نهاية الدبلوماسية في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران سابقاً لأوانه. تنتهي الدبلوماسية عندما يقتنع أحد الطرفين بأن لا جدوى من التفاوض أو عندما ينجح أحدهما في فرض شروطه بالكامل على الآخر. وحتى الآن لا يبدو أن أياً من هذين الشرطين قد تحقق.
إيران لا تزال بحاجة إلى مسار سياسي يحوّل صمودها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية، والولايات المتحدة ما تزال بحاجة إلى تسوية تترجم الضغوط التي مارستها إلى إنجاز سياسي يمكن البناء عليه، وبين هاتين الحاجتين تستمر الحاجة إلى قنوات الاتصال والوساطات والتفاوض المباشر أو غير المباشر.
لذلك، فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية الطريق، بل مرحلة جديدة من الصراع على شروط التسوية المستقبلية. رُفض العرض الإيراني، لكن الأسباب التي دفعت إيران إلى تقديمه ما زالت قائمة، كما أن الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة للبحث عن مخرج سياسي ما زالت قائمة أيضاً.
الخلاصة أن المسار الدبلوماسي لم ينتهِ، بل وصل إلى إحدى محطاته الصعبة. أما الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وكما أثبتت التجارب السابقة، فيستمر عادة على مسارين متوازيين: مسار ضغط لتحسين الشروط، ومسار تفاوض يبحث عن نقطة توازن مقبولة للطرفين، والسؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الدبلوماسية انتهت، بل متى يقتنع الطرفان بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التفاهم، فتنتهي الحرب في المنطقة ككل.
بمفعولٍ رجعي… الحكومة اللبنانية تعلن "السيد الشهيد" خارجاً عن القانون _ د. نسيب حطيط
فشل الإعلام المعادي في قلب الوقائع... إيران تضع الشروط واليمن يبادر _ حسان الحسن
رحمةُ الله إلى رحمةِ الله ـ محمد دياب