أقلام الثبات
ليس السؤال الأكثر إزعاجاً في التجربة العسكرية الخليجية: لماذا تنفق دول الخليج مليارات الدولارات على السلاح، ثم تظل بحاجة إلى الحماية والخبرات والقواعد العسكرية الأجنبية؟ السؤال الأعمق هو: ما الذي يُراد لهذا السلاح أن يحمي أولاً: الدولة أم النظام؟
لقد تركت الانقلابات العسكرية التي أطاحت بملكيات عربية، ولا سيما في مصر والعراق وليبيا، أثراً عميقاً في الوعي الأمني للملكيات والإمارات العائلية الخليجية، ومن الطبيعي أن تثير تلك التجارب خشية الأنظمة الحاكمة من جيش يتحول إلى مؤسسة وطنية مستقلة، ثم إلى مركز قوة قادر على التدخل في السياسة وتغيير قواعد الحكم، والخوف الأكبر هو في العقل القبائلي الحاكم من نوايا القبائل الأخرى، ما دفع بالحاكم إلى الاستعانة بالأجنبي المدفوع الأجر لحمايته من شركاء الوطن، لا بل من أخوته وأبناء عمومته الذين يعتبرون حرمانهم من ولاية العهد لصالح ابن الحاكم، ظلماً يستوجب الانتقام.
تمتلك دول الخليج أحدث الأسلحة، وتنفق بسخاء على الطائرات والدفاع الجوي والصواريخ والسفن، لكن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك منظومة القوة العسكرية المستقلة، فالسلاح يحتاج إلى قيادة وسيطرة واستخبارات وصيانة وتدريب وذخائر ولوجستيات وقدرة على إدارة حرب طويلة، وهي عناصر لا تُشترى كاملة في صفقة واحدة.
لذلك فإن الاعتماد على الولايات المتحدة والدول الغربية يمكن فهمه، جزئياً، كخيار استراتيجي يقوم على الاستفادة من الخبرات الأجنبية وربط الأمن الوطني بشبكة حماية دولية، لكن هذا الاعتماد يفتح سؤالاً آخر يتعلق ببنية السلطة نفسها، وبحدود استقلال المؤسسة العسكرية.
فالجيوش الخليجية لم تتشكل فقط لمواجهة الأخطار الخارجية، بل نشأت أيضاً داخل أنظمة شديدة الحساسية تجاه استقلال الجيش. ومن هنا يمكن فهم تعدد مراكز القوة المسلحة في بعض الدول، ووجود الحرس الوطني والقوات الخاصة والأجهزة الأمنية إلى جانب الجيوش النظامية، فالمسألة ليست توزيعاً للمهام العسكرية فحسب، بل توزيع للقوة داخل النظام، بما يحول دون تحول مؤسسة واحدة إلى قوة سياسية قادرة على فرض إرادتها على السلطة.
ولا يصح تعميم هذا التفسير على دول الخليج كلها، إذ تختلف السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان في بنية مؤسساتها وتركيبة قواتها وحجم الاستعانة بالأجانب وطبيعة الحرس الوطني وعلاقاتها بالقوى الخارجية، كما ينبغي التمييز بين الجندي المتعاقد والمدرب الأجنبي والقوات الأجنبية المتمركزة في الدولة.
لكن وجود الأجانب في قطاعات عسكرية وتقنية وأمنية حساسة يضيف بُعداً مهماً: فالسؤال لا يعود فقط عن الكفاءة، بل عن حدود الاستقلال في القرار العسكري.
والأهم أن التركيبة الأمنية تكشف جانباً من طبيعة النظام السياسي، فعندما تكون الأسرة الحاكمة مركز السلطة، يصبح الحفاظ على النظام، في بعض الحسابات الأمنية، قريباً جداً من الحفاظ على الدولة نفسها، لكن الدولة شيء، والنظام شيء آخر، والأسرة الحاكمة شيء ثالث.
الدولة هي الأرض والمجتمع والمؤسسات والسيادة، بينما النظام هو طريقة إدارة السلطة، والأسرة الحاكمة طرف سياسي وتاريخي داخل هذا النظام، حتى عندما تكون صاحبة الدور المركزي فيه.
وهنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية: ماذا يحدث عندما يصبح بقاء الأسرة الحاكمة جزءاً من تعريف الأمن الوطني؟
عندها يمكن أن يصبح التغيير السياسي تهديداً أمنياً، والاستقلال المؤسسي مصدراً للقلق، وتتحول وظيفة بعض الأجهزة من حماية الدولة وحدودها إلى حماية بنية الحكم من الداخل.
فالحكم العائلي ليس مرادفاً للدولة، واستمرار العائلة في السلطة ليس مرادفاً لاستمرار الوطن. الدولة ملك لمواطنيها، والسلطة وظيفة عامة وليست إرثاً عائلياً، ومن هذه الزاوية، لا تكمن المشكلة فقط في اتساع سلطة الأسرة الحاكمة، بل في تحويل استمرارها إلى هدف أمني دائم.
وهنا تنكشف المفارقة: قد تكون الدولة مسلحة بأحدث الطائرات والصواريخ، لكنها تظل أمام سؤال لم تحسمه مليارات التسليح: هل القوة المسلحة ملك للدولة، أم أنها في النهاية إحدى أدوات حماية السلطة؟
فالجيش الوطني لا يُقاس فقط بقدرته على ردع العدو الخارجي، بل أيضاً باستقلاله المؤسسي وخضوعه للدولة ومؤسساتها، لا لمصالح السلطة السياسية الآنية، وكلما ارتبطت المؤسسة العسكرية بمصير عائلة حاكمة، أصبح مفهوم «الأمن الوطني» مهدداً بالتحول إلى اسم آخر لـ«أمن النظام».
قد تستطيع العائلة الحاكمة شراء أحدث الأسلحة واستيراد الخبرات واستدعاء الحلفاء لحماية حدودها، لكنها لا تستطيع شراء الشرعية، ولا تحويل استمرارها في السلطة إلى حقيقة وطنية أبدية، فالشرعية السياسية ليست ميراثاً عائلياً، والجيش ليس حارساً لسلالة، والدولة ليست ملكاً لمن يحكمها.
وإذا كان المطلوب بناء دول خليجية قوية، فإن القوة لا تبدأ من عدد الطائرات ولا من حجم الموازنات العسكرية، بل من الفصل بين الدولة والعائلة، والمؤسسة والسلطة، والأمن الوطني وبقاء الحاكم.
فالاختبار الحقيقي ليس أن يبقى الجيش مطيعاً للعائلة، بل أن يكون ولاؤه للدولة ومؤسساتها وللمواطنين، وأن تبقى الدولة أوسع من الأشخاص والعائلات، والسلطة قابلة للمساءلة والتغيير.
فالعائلة الحاكمة قد تكون جزءاً من تاريخ الدولة، لكنها ليست الدولة، وقد تحكمها لعقود، لكنها لا تملكها، وحين يتحول بقاء العائلة إلى شرط لبقاء الوطن، تنقلب المعادلة: لا تعود الدولة هي التي تحمي الحكم، بل يصبح الحكم هو الذي يطلب من الدولة ومؤسساتها وجيشها أن تحمي استمراره.
وهنا تحديداً يصبح السؤال عن الجيوش الخليجية سؤالاً عن مستقبل الدولة نفسها: هل ستظل القوة المسلحة حارساً لسلطة موروثة، أم تصبح مؤسسة وطنية تابعة لدولة لا تُورّث، وسلطة لا تُحتكر، ومستقبل سياسي لا تملكه عائلة؟
متى ستنتهي الحرب الأمريكية على الشرق الأوسط؟ _ د. نسيب حطيط
"شيء كبير قد يحدث قريبا"! _ ماجدة الحاج
استراتيجيات الحرب الذكية لزعزعة العقيدة وتسويق منهج القعود _ د. نسيب حطيط