الحوثيون.. من الجبال الصخرية إلى سواحل باب المندب _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 22 أيلول , 2026 12:11 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

"نقطة قوتنا أننا ليس لدينا ما نخسره، لكن السعودية لديها الكثير مما تخشى خسارته".. بهذه الكلمات لخَّص عضو المكتب السياسي لـ"أنصار الله" الحوثيين؛ محمد البخيتي، جوهر المواجهة، وربما اختصر بها جانباً مهماً من معادلة حرب تبدو فيها موازين القوى واضحة على الورق، لكنها أكثر تعقيداً بكثير على أرض اليمن.
الحوثيون جماعة خرجت من جبال صعدة، محدودة الموارد في بداياتها، لكنها راكمت خبرة طويلة في القتال، وبنت تنظيماً متماسكاً، ورسّخت سردية عقائدية وسياسية تجعل الحرب، بالنسبة إلى جزء من مقاتليها، قضية وجود لا مجرد معركة عسكرية، ومن الصعب تحقيق نصر حاسم على جماعة نشأت في بيئة جبلية قاسية، وتعلّمت منذ بداياتها كيف تقاتل بقليل من الإمكانات، وتستفيد من الجغرافيا إلى أقصى حدودها.
والحوثيون الذين يتبعون المذهب الزيدي، أقرب في كثير من أصولهم الفقهية إلى السُنّة منهم إلى الشيعة الإثني عشرية، والرئيس علي عبد الله صالح نفسه كان زيدياً، لكن منذ بداية الثمانينات، وإثر قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، بدأ انتشار تيارات سلفية في اليمن، بدعم سعودي في بعض مراحلها، وتحديداً في الشمال، معقل القبائل والعشائر الزيدية التي كانت تعاني أصلاً من الإهمال الحكومي المركزي.

وهكذا تداخلت الهواجس المذهبية مع المخاوف المعيشية والسياسية والوجودية، وكانت حركة "الشباب المؤمن" التي تأسست عام 1992 إحدى البدايات التي خرج منها الحوثيون، كردّ فعل على تنامي التيارات السلفية. ومع اندلاع حروب الحوثيين مع صالح عام 2004، تبلور الموقف السعودي المعادي لهم، وصولاً إلى أول تدخل عسكري سعودي مباشر ضدهم عام 2009، قبل ستة أعوام من "عاصفة الحزم" عام 2015، "العاصفة" التي ما زالت مستمرة لغاية الآن مع حصار مُطبق على اليمن، وشكَّلت السعودية خلالها خمسة تحالفات دولية لهزيمة الحوثيين وفَشِلت. 

وما بدأ كتمرد محلي في صعدة، لم يبقَ محلياً. فمع سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين عام 2014، انتقلت الجماعة من موقع الحركة المسلحة إلى لاعب سياسي وعسكري يفرض نفسه على المعادلة اليمنية، ثم على المعادلة الإقليمية.

وهنا تكمن المفارقة: قوة الحوثيين لا تُقاس بحجم ترسانتهم وحدها، بل بقدرتهم على تحويل ضعف الإمكانات إلى عنصر صمود، والجغرافيا إلى سلاح، وطول الحرب إلى وسيلة استنزاف. فالجيوش النظامية تبحث عن معركة حاسمة، بينما تستطيع الحركات المسلحة خوض حرب طويلة، موزعة الأهداف، متكئة على بيئة اجتماعية وجغرافية تعرفها جيداً.

ومع انتقال المواجهة إلى البحر الأحمر واستهداف الملاحة الدولية، لم يعد اليمن مجرد ساحة حرب داخلية أو سعودية-حوثية، بل أصبح عقدة في صراع إقليمي أوسع، تتقاطع فيه حسابات السعودية وإيران والولايات المتحدة و"إسرائيل"، مع أمن الممرات البحرية والتجارة العالمية.

لهذا، فإن اختزال الحوثيين في كونهم جماعة مسلحة، أو اختزال مواجهتهم في ميزان القوة النارية، لا يفسر قدرتهم على البقاء والتوسع، فالجماعات التي تتأسس على هوية قتالية، وتجد في المظلومية وقوداً سياسياً، وتقاتل في جغرافيا تمنحها أفضلية، لا تنتهي بمجرد تدمير جزء من قدراتها العسكرية.

ويبقى السؤال الأصعب: هل يمكن هزيمة الحوثيين عسكرياً من دون معالجة البيئة التي أنتجتهم؟

الجواب، ربما "كلا"، فقد تُقتحم الجبال، وقد تُدمّر مخازن السلاح، وقد تتغير خرائط السيطرة، لكن العقيدة التي ترسخت في تلك الجبال، وأصبحت جزءاً من هوية جماعة كاملة، أكثر صلابة من أن تُهزم بالقصف وحده، وإذا كانت الجبال من صخر، فإن العقيدة الدينية والعشائرية والوطنية حين تتحول إلى هوية، قد تكون أشد صلابة من الصخر.
أزمة السعودية مع الحوثيين باتت أكثر خطورة بعد التقدم على الأرض الذي أحرزه الحوثيون مؤخراً في السيطرة على باب المندب، والهجوم على مأرب لتحريرها من الجنود اليمنيين التابعين لـ"حكومة الرياض"، والمعارك قد لا تبقى محصورة ضمن الأراضي اليمنية الحالية، لأن مطالب الحوثيين قد تشمل استعادة المحافظات اليمنية المحتلة من الطرف السعودي عام 1934، وهي جيزان ونجران وعسير، كما صرَّح الضابط الأميركي السابق "أليستر كروك".
"كروك" قال في تحليل نشره خلال أيلول/ سبتمبر الجاري
إن "أحد مطالب أنصار الله، في حال تقديم السعودية تنازلات، قد يكون إعادة المحافظات الثلاث: نجران وجيزان وعسير"، التي وصفها بأنها "أُخِذَت من اليمن في ثلاثينيات القرن الماضي".

وأضاف "كروك" في تحليله أن "هناك نقطة تاريخية مهمة، تكمن في سرقة السعودية للمحافظات الثلاث، وعليها أن تُعيدها إذا أرادت تهدئة ثورة الحوثيين، نتيجة وجود علاقات نسب وقرابة عشائرية بينهم وبين عشائر وقبائل تعيش في تلك المحافظات، التي يعتبرها الحوثيون يمنية محتلَّة".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل