أقلام الثبات
ليست المسألة في أن الولايات المتحدة تستطيع أن تضرب، فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات.. المسألة هي: هل تستطيع أن تصنع من ضرباتها واقعاً سياسياً دائماً؟ فالتفوّق العسكري لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، ولا بحجم الأهداف التي تُدمَّر، بل بقدرة القوة الكبرى على خوض الحرب وتحمّل كلفتها، ثم تحويل التفوّق الناري إلى نتيجة سياسية واستراتيجية تُفرض على الخصم وتستمر بعد توقف القصف.
ومن هنا، تبدو تجربة دونالد ترامب بين باب المندب ومضيق هرمز أكثر من مجرد فصلين في حروب الشرق الأوسط؛ إنها اختبار مباشر للحد الفاصل بين امتلاك القوة واستخدامها، وبين امتلاك القدرة على فرض ما يأتي بعدها، في مواجهة قوى عقائدية تعتبر أن عدوَّها هو "الشيطان الأكبر" في العالم.
في اليمن، وبعد أسابيع من القصف الأميركي الذي بدأ في آذار/مارس 2025، انتهت المواجهة إلى تفاهم لوقف الأعمال العدائية مع الحوثيين برعاية سلطنة عُمان. وبعد عام، وجدت واشنطن نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً في مواجهة إيران، حيث تحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم أوراق الصراع، قبل أن يصبح فتحه وإغلاقه جزءاً من مسار الحرب والتفاوض معاً.
وهنا تبدأ قصة "المضيقين":
باب المندب ليس مجرد ممر بحري عادي، وهرمز ليس مجرد قناة تعبرها ناقلات النفط، كلاهما عقدة جغرافية قادرة على تحويل حرب إقليمية إلى أزمة دولية، وإدخال الملاحة والطاقة والأسواق والحلفاء والخصوم في قلب الحسابات العسكرية.
هذا بالضبط ما لم تستطع الصواريخ وحدها حسمه، فالولايات المتحدة تستطيع الوصول إلى أهداف بعيدة، وتملك التفوق الجوي والبحري وأحدث منظومات السلاح في العالم، لكنها عندما تصطدم بجغرافيا المضائق، تكتشف أن الوصول إلى الهدف ليس هو الوصول إلى النهاية.
في باب المندب، لم يؤدِّ القصف الأميركي وحده إلى إنهاء التهديد الحوثي، وفي هرمز لم يكن امتلاك القوة البحرية والجوية كافياً لتحويل المضيق إلى تفصيل ثانوي في الحرب مع إيران.
وهنا تظهر المفارقة الأميركية الكبرى: يمكن لواشنطن أن تبدأ الحرب بقرار أميركي، لكنها لا تستطيع دائماً أن تنهيها وفق شروط أميركية، وهذه ليست مسألة ضعف عسكري بالمعنى التقليدي، ولا تعني أن الولايات المتحدة فقدت موقعها كقوة عظمى. المسألة أكثر دقة وخطورة: ماذا يحدث عندما تصبح كلفة الحرب أعلى من القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي؟ عندها تبدأ القوة نفسها في دفع ثمن استخدامها.
والحرب ليست صواريخاً فقط، الحرب ذخائر ومخزونات وقواعد وإمدادات وصناعة دفاعية وأسواق وطاقة وحلفاء وممرات بحرية، والأهم من ذلك كله: قدرة سياسية على تحديد اللحظة التي تتوقف فيها الحرب، ووفق أي شروط.
ومن هنا تكتسب التطورات الحالية في أيلول/ سبتمبر 2026 أهمية خاصة، ففي البحر الأحمر، باتت التطورات الميدانية في المحيط العام وباب المندب بشكل خاص، عاملاً إضافياً في حسابات أمن الملاحة، وفي الخليج، ما زالت تداعيات إغلاق هرمز والحرب مع إيران تضغط على واشنطن وعلى اقتصادات العالم.
المضيقان إذاً لم يعودا مجرد ممرين مائيين في خريطة الحرب؛ لقد أصبحا نقطتي اختبار لقدرة القوة الأميركية على التحكم في مسار الصراع.
والأكثر دلالة في التقييم، أن أحدث تقرير للمفتش العام في البنتاغون عن الحرب مع إيران، الصادر في 14 أيلول/ سبتمبر 2026، والذي يغطي الفترة من 1 نيسان/ أبريل إلى 30 حزيران/ يونيو، قدّر تكلفة العمليات العسكرية بنحو 33.4 مليار دولار، وتحدث عن استهلاك كبير للذخائر ونقص استراتيجي في بعض المخزونات واختناقات في القدرة الصناعية على إعادة الإنتاج، فضلاً عن أضرار طالت منشآت عسكرية أميركية في ثماني دول في الشرق الأوسط.
هذه الأرقام لا تعني أن الجيش الأميركي فقد تفوقه، لكنها تكشف أن التفوق العسكري نفسه له حدود عملية: مخزونات يمكن أن تنخفض، صناعة دفاعية تحتاج إلى وقت لتعويض الاستهلاك، قواعد يمكن أن تتعرض للضرب، وحلفاء يريدون بقاء طرق التجارة والطاقة مفتوحة.
وهنا تحديداً تسقط واحدة من أكثر الأفكار إغراءً في السياسة الدولية: أن امتلاك أقوى جيش في العالم يعني امتلاك القدرة على فرض نهاية أي حرب، والأمر الآن ليس كذلك.
القوة تستطيع أن تدمّر، لكنها لا تستطيع دائماً أن تقرر ما الذي سيحدث بعد الدمار، والهيمنة إذا كانت تعني أكثر من مجرد التفوق العسكري، تبدأ تحديداً من تلك اللحظة: من يملك القدرة على صناعة اليوم التالي للحرب؟
ترامب دخل هذه المواجهات وهو يريد أن يثبت أن أميركا تستطيع أن تفرض إرادتها بالقوة، لكنه وجد نفسه أمام جغرافيا لا تستسلم للقصف، وخصوم لا يختفون بمجرد استهدافهم، وأسواق لا تنتظر انتهاء الحسابات العسكرية، وحلفاء يريدون الملاحة مفتوحة مهما كانت الحسابات السياسية.
ولهذا تبدو عبارة "أسير المضيقَين" أكثر من عنوان صحفي، إنها صورة لمأزق القوة العظمى عندما تتحول الجغرافيا إلى طرف في الحرب، وعندما يصبح ممر بحري ضيق قادراً على فرض حساباته على الدولة التي تملك أكبر ترسانة عسكرية في العالم.
ترامب لم يخسر أميركا في هرمز وباب المندب بالمعنى الحرفي، لكنه واجه اختباراً قاسياً لوهم أخطر؛ أن التفوق العسكري الأميركي يساوي تلقائياً القدرة على فرض النهاية، فقد تستطيع أميركا أن تفتح الحرب بقرار منها، وأن تمطر خصومها بالصواريخ، وأن تضرب مواقعهم في أي مكان تقريباً، لكن السؤال الذي يفرضه هرمز وباب المندب هو الأصعب:
هل تستطيع أميركا أن تغلق الحرب وفق شروطها؟ وهنا تكمن المفارقة، وهنا أيضاً تكمن حدود القوة، فالمضيق الذي يبدو صغيراً على الخريطة قد يصبح في لحظة حرب، أكبر من كل حاملات الطائرات التي تحاول تأمينه، وعندما تضطر القوة الأعظم إلى التفاوض عند أضيق الممرات، فإن المضيق لم يعد مجرد طريق للسفن، بل أصبح مرآةً لحدود القوة، وربما هي الرسالة الأوضح التي يتركها هرمز وباب المندب وراءهما: ليست المشكلة في أن تستطيع أميركا أن تحارب، بل في أن تعرف كيف تنتصر سياسياً بعد أن تنتهي من القتال، ويبدو أن النصر لم يتحقق سوى في تغريدات دونالد ترامب.
أميركا والإعلام.. ديكتاتورية الرجل الأبيض _ يونس عودة
أيلول 2026... من وقف الانكسار إلى تحرير الأرض والشراكة الوطنية _ د. نسيب حطيط
المأزق السعودي... بين الصمود اليمني والخذلان الأمريكي _ د. نسيب حطيط