أقلام الثبات
في الحروب الطويلة، تأتي لحظات يبدو فيها أن التصعيد الكبير بات وشيكاً، ثم يتراجع الجميع خطوة إلى الوراء، ويظهر أحياناً أنه كان مقدمة لمفاوضات أو غطاءً لها.. غير أن هناك لحظات أخرى تكون أكثر خطورة؛ اذ تتراكم فيها المؤشرات السياسية والعسكرية والنفسية، وتنفجر الحرب بالفعل.
بعد أشهر من المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الخطاب العسكري ليرتفع بصورة ملحوظة، وتنقل وسائل الاعلام عن القيادة العسكرية الإيرانية امتلاكها معلومات تفيد بوجود نقاشات أميركية حول استئناف العمليات العسكرية ضدها، وتحدثت القيادة الايرانية عما وصفته بـ«ضوء أخضر» من بعض دول المنطقة، مهددةً بردّ من دون قيود على القواعد والمصالح الأميركية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الظروف تدفع الأطراف المختلفة نحو توسّع الحرب فعلاً؟
أولاً: لماذا تبدو احتمالات التصعيد مرتفعة؟
ثمة أربعة مسارات تتقاطع اليوم بصورة تجعل البيئة الإقليمية أكثر استعداداً للعودة الى الحرب:
- المسار الأول هو استمرار الأزمة في مضيق هرمز والخليج.
يؤكد رئيس مجلس الشورى الإيراني؛ محمد باقر قاليباف، أن مضيق هرمز لن يفتح قبل استيفاء شروط إيران، كما يؤكد تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي، مشدداً على رفض طهران الإملاءات واشتراطها تنفيذ واشنطن تعهداتها. في المقابل، حذّرت وزارة الخارجية الأميركية مواطنيها في منطقة "الشرق الأوسط" من احتمال حدوث "تصعيد غير متوقع"، في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، داعيةً إلى توخي أقصى درجات الحذر.
- المسار الثاني هو حرب اليمن.
تشكّل سيطرة جماعة أنصار الله اليمنية على مناطق استراتيجية هامة، وقدرتهم على إصابة مناطق حيوية وأنابيب نفط في السعودية، عاملاً محفزاً لعودة الصراع، وقد تكون اليمن أحد أسباب ما قاله الإيرانيون عن رغبة دول عربية في عودة الأميركيين الى الحرب الشاملة.
- المسار الثالث يتعلق بتطور أشكال التعاون الأمني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، تحت مظلة أميركية.
وفقاً لما أورده موقع "أكسيوس" في 15 أيلول، عقد قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)؛ الأدميرال براد كوبر، اجتماعاً في ألمانيا الأسبوع الماضي، ضم رؤساء الأركان العسكريين لكل من "إسرائيل" والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، وذلك لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية، وقد أكدت القيادة المركزية الأميركية عقد الاجتماع، مشيرةً إلى أن "القادة ناقشوا فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط".
- المسار الرابع: الداخل "الإسرائيلي".
تضيف الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة بعداً سياسياً إلى المشهد. في الفترات الانتخابية تميل القوى السياسية "الإسرائيلية" إلى إظهار قدرتها على التعامل مع التهديدات الخارجية والظهور بمظهر الحزم والانتصار على الاعداء. لا شكّ يريد نتنياهو أن تندفع الدول العربية والأميركيون الى حرب شاملة ضد إيران، تشارك فيها "إسرائيل"، لتعزيز فرص الليكود في الفوز وعودته الى رئاسة الحكومة.
ثانياً: القيود على التصعيد
- الانتخابات الأميركية:
بعد أشهر من الحرب، تتزايد الأسئلة داخل الولايات المتحدة حول كلفة المواجهة المالية والعسكرية، ما يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية أن تعود إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد، إلا إذا تعرضت القوات الأميركية أو المصالح الحيوية الأميركية لهجوم كبير يفترض الرد.
خلال الأسبوع الماضي، وضمن آخر عمليات التصويت التي يجريها المجلس قبل انتخابات شهر تشرين الثاني المقبل، صوّت مجلس النواب الأميركي لصالح إجراء يُلزم الرئيس دونالد ترامب بإنهاء حربه مع إيران، وتُعد هذه المرة الثالثة التي يصدر فيها المجلس قراراً يطالب ترامب بسحب القوات من إيران.
في النتيجة، ورغم ارتفاع مستوى التوتر، وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكلامية، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة على قرار أميركي بشن حملة عسكرية واسعة على إيران قبل الانتخابات النصفية، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، واستطلاعات الرأي التي تظهر استياء الناخبين من سياسات الحزب الجمهوري.
لكن المفارقة أن الأطراف (باستثناء "إسرائيل") تبدو واعية لمخاطر الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه تواصل التحرك على حافة الهاوية. الرئيس ترامب لا يريد حرباً جديدة قبل الانتخابات، وإيران لا ترغب في مواجهة شاملة في ظل الأزمات الاقتصادية في الداخل، ودول الخليج تخشى على استقرارها الاقتصادي والكلفة التي ستدفعها، خصوصاً بعد تجربة حرب ربيع 2026.
ومع ذلك، فإن الحروب كثيراً ما تنشب لأن هناك مَن يعتقد أنه قادر على التحكم بمسار التصعيد، ولأن الأطراف تعتقد أنها تستطيع أن تفرض شروطاً أفضل على طاولة المفاوضات بعد الحرب، وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: المشكلة ليست في وجود قرار بالحرب، بل في كثرة المسارات التي قد تقود إليها.
جفاء بين الرياض و"سلطة" دمشق الراهنة... لماذا تنزلق إلى حرب اليمن ولا تشارك في لبنان؟ _ حسان الحسن
"مشروع الإنقاذ"... رؤية لوقف العدوان وتحرير الأرض _ د. نسيب حطيط
ملحمة الصمود... ثبات المقاومة وأهلها في وجه الإبادة _ د. نسيب حطيط