خاص الثبات
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف فوق برميل بارود: جبهات مفتوحة، ممرات بحرية مهددة، احتلالات تتوسع، وقوى كبرى تتدخل مباشرة أو عبر حلفائها. لكن وسط هذا المشهد، ثمة حقيقة تستحق أن تُقال بوضوح: الشعوب التي ترفض الخضوع ليست بالضرورة الطرف الأضعف، حتى عندما تكون كلفة المواجهة باهظة.
فإسرائيل تواصل فرض وجود عسكري في مناطق لبنانية، فيما تحتفظ بوجود وسيطرة في أراضٍ سورية محتلة، وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية، بينما تبقى غزة تحت واقع عسكري وإنساني بالغ القسوة. وفي سبتمبر/أيلول 2026، تحدثت تقارير عن منطقة عازلة إسرائيلية تمتد نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وعن استمرار الهدم في الجنوب اللبناني.
كما أضيفت آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة إلى مخططات الضفة الغربية، في خطوة اعتبرها منتقدون تهديداً لإمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
أما حديث «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، فينبغي التعامل معه بدقة: فهو ليس تعريفاً موحداً للسياسة الإسرائيلية الرسمية، بل مفهوم تلمودي وسياسي متعدد التفسيرات، تبناه أو ناقشه بعض التيارات والشخصيات الإسرائيلية والأميركية.
وفي اليمن، تبدلت موازين المشهد بصورة لافتة. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن سنوات الحرب والتفوق الجوي والتسليحي لم تكن كافية لفرض معادلة مستقرة. وتشير تقارير حديثة إلى تقدم أنصار الله على ساحل البحر الأحمر واقترابهم من مناطق استراتيجية مرتبطة بباب المندب، الأمر الذي وضع السعودية أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
والأهم أن واشنطن نفسها لم تُظهر استعداداً غير محدود للذهاب إلى النهاية نيابة عن الرياض. فبحسب تقارير حديثة، طلبت السعودية دعماً عسكرياً أميركياً مباشراً، بينما امتنع الرئيس الأميركي عن الالتزام بضربات مباشرة ضد أنصار الله، مكتفياً في بعض الجوانب بدعم استخباراتي واستهدافي.
هذه الوقائع تكشف درساً مهماً: التحالفات الكبرى لا تعني بالضرورة ضمانة مطلقة، والمال والسلاح لا يضمنان وحدهما حسم الصراعات. الولايات المتحدة نفسها تدفع ثمناً متزايداً للحرب الإقليمية؛ فقد قدّرت رويترز في يوليو/تموز 2026 كلفة الحرب الأميركية مع إيران بأكثر من 37.5 مليار دولار، مع موارد عسكرية مستنزفة وضغوط إضافية إذا اتسعت المواجهة إلى اليمن.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى محور المقاومة باعتباره كتلة واحدة متطابقة في المصالح أو القرار. لكنه، كشبكة من قوى وحركات ودول تختلف في حساباتها، أثبت أن محاولة فرض نظام إقليمي بالقوة تواجه مقاومة متعددة الجبهات. ومن فلسطين إلى لبنان واليمن، أصبحت الجغرافيا نفسها عاملاً في الصراع: مضيق هرمز، باب المندب، البحر الأحمر، شرق المتوسط، والحدود البرية المتشابكة.
وهنا تكمن المعنويات الحقيقية: ليست المعنويات في إنكار الخسائر، ولا في الادعاء بأن النصر سهل أو قريب، بل في القدرة على الصمود، والتعلم، ومنع الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى واقع سياسي دائم.
العالم اليوم لا يحتاج إلى حرب عالمية جديدة؛ شعوب المنطقة دفعت أصلاً أثماناً هائلة. والقوة الحقيقية ليست في إشعال المزيد من الحرائق، بل في امتلاك القدرة على حماية الأرض والقرار، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
قد تتغير التحالفات، وقد تتبدل الحكومات، وقد تتراجع جبهات وتتقدم أخرى. لكن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا تختفي من التاريخ.
ومن يراهن على أن الإرادة تُشترى بالمال أو تُسحق بالقوة، قد يكتشف أن أصعب شيء في هذه المنطقة ليس احتلال الأرض، بل إخضاع أهلها.
هل يقف الشرق الأوسط على أعتاب جولة جديدة من الحرب الشاملة؟ _ د. ليلى نقولا
جفاء بين الرياض و"سلطة" دمشق الراهنة... لماذا تنزلق إلى حرب اليمن ولا تشارك في لبنان؟ _ حسان الحسن
"مشروع الإنقاذ"... رؤية لوقف العدوان وتحرير الأرض _ د. نسيب حطيط