أميركا والإعلام.. ديكتاتورية الرجل الأبيض _ يونس عودة

الأربعاء 16 أيلول , 2026 01:05 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تتعاظم المخاوف في الولايات المتحدة خصوصاً، والمؤسسات الصحفية في الدول التي تدور في الفلك الاميركي على حرية الصحافة بشكل اساسي، وعلاقة السلطات مع الصحافة على طريق تدجين المؤسسات والافراد الذين ينتقدون، او الذين يعارضون السردية الاميركية التي ظهرت فيها عورات كثيرة لا يمكن ان توصف بالعاقلة ولو بالحد الادنى، وكل ما تستند اليه سطوة السلطة لفرض تخيلات تواكبها اجراءات حكومية مقوننة لاخضاع وسائل الاعلام والاعلاميين بذرائع، منها الامن القومي.
أخطر الاجراءات في التعاطي ستظهر مفاعيلها قريبا، وهي تعكس المنحى الديكتاتوري في العقل الاميركي , وسقوط الشعارات عن الحرية والديمقراطية التي استخدمتها الادارات الاميركية في السيطرة على العقول لتدمير الدول المستقرة والمناوئة للمنهج الاميركي حول العالم.
على المستوى العالمي في هذه السياق, يوقع الرئيس الاميركي دونالد ترامب على اجراءات تقييدية للصحافيين الاجانب العاملين في الولايات المتحدة, تجعلهم تحت ضغط مهني ونفسي، اضافة الى الخضوع لضوابط سردية السلطات المتجبرة، وستدخل الاجراءات التعسفية حيز التنفيذ خلال ساعات، اي فور توقيع ترامب عليها.

ومنها على المستوى النفسي والعملي؛ تقليص - وبشكل كبير - مدة تأشيرات الصحفيين الأجانب في الولايات المتحدة لتصبح 240 يوماً اي 8 اشهر - بعد أن كانت تمتد لسنوات تصل الى خمس – وهذا التقليص يختزن في باطنه احتمال الطرد من الولايات المتحدة , وبلا رجعة , اذا رات الادارة الاميركية ان ما يكتب لا يناسب السردية الاميركية, وستؤثر هذه التغييرات على آلاف الصحفيين الأجانب وعائلاتهم المقيمين في الولايات المتحدة بموجب التأشيرة المستحدثة، وستلغي القاعدة الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في 16 تموز الماضي، نظام "مدة الوضع القانوني" duration of status) )الذي يتيح للصحفيين الأجانب البقاء والعمل في الولايات المتحدة طالما استوفوا شروط الأهلية. وستدخل هذه القاعدة حيز التنفيذ بعد 60 يوماً من نشرها في السجل الفيدرالي.
لقد أدان اتحاد الصحفيين في اوروبا بشدة هذا التقييد الصارم، الذي يهدف بوضوح إلى زرع نزعة الرقابة الذاتية لدى الصحفيين المستهدفين. وقالت مايا سيفر، رئيسة الاتحاد الأوروبي للصحفيين EFJ)) ان هذا القيد التعسفي لا يستند إلى أي معايير موضوعية؛ فهو يحرم الصحفيين الدوليين من فرصة تغطية الأحداث الجارية من داخل الولايات المتحدة، ويعيق الأداء السليم لوسائل الإعلام الدولية على الأراضي الأمريكية. وتشكل هذه القيود الإدارية الجديدة على المراسلين الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة،نوعاً من الضغط الذي من المرجح أن يكون له تأثير مُثبِّط لحرية الصحافة.
إن الالتزام بتقديم طلبات متكررة لتجديد التأشيرة لا يمثل عبئاً إدارياً فحسب، بل هو أيضاً إجراء قد يدفع المراسلين الأجانب نحو الرقابة الذاتية، إذ باتوا تحت رحمة قرارات تعسفية برفض منح التأشيرات. لذا، يحث الاتحاد الأوروبي للصحفيين الكونغرس على رفض هذه القاعدة المعادية للصحافة.
لقد اتخذت إدارة ترامب خطوات لتشديد قواعد التأشيرات الخاصة بالطلاب الأجانب والصحفيين والزوار المشاركين في برامج التبادل الثقافي؛ إذ ستقتصر مدة تأشيرات الطلاب والتبادل الثقافي على أربع سنوات، بينما ستصبح مدة تأشيرات الصحفيين ,وستلغي القاعدة الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الأمن الداخلي الأمريكية اصلا في 16 تموز الماضي.
لا يمكن لاي عامل في الحقل الاعلامي ولاي اعلامي حر ترعرع على الحرية الاعلامية والوصول الى مصادر المعلومات ,الا ان يدين مثل هذا الاجراء التعسفي الخطير , وهو الذي ينير ما يحدث على المستوى السلطات التي تصعد على متن القطار الاميركي , ومنها لبنان , الذي وقع رئيس الجمهورية قانون الاعلام الذي اقره مجلس النواب دون الاخذ بملاحظات النقابات الاعلامية الرسمية وغير الرسمية ,كما انه يؤشر الى المنحى الديكتاتوري المستلهم من شخصية ترامب نفسه ومن ادارته. وفي هذا السياق لا بد من استعادة مبعوثه الشخصي السابق الى لبنان توم براك الذي وصف الاعلاميين اللبانيين من منبر رسمي لبناني داخل القصر الجمهوري بأنهم "حيوانات.. فوضويون.. غير متحضرين".
لم يكن سؤالًا الذي طرحه انذاك اعلامي لبناني محرجًا أو موقفًا استفزازيًا من الإعلام بل مجرد أداء طبيعي قوبل بتوبيخ علني وإهانة جارحة، فيما كانت الصهيونية العلنية مورغان أورتاغوس إلى جانبه تضحك بسخرية.ولم تحرك السلطات الخانعة اي ساكن رغم اشتعال غالبية الاعلاميين باستثناء الذين يرضعون من البقرة الاميركية.
إذا كانت هذه الرؤية من الخارج، فان الولايات المتحدة من الداخل تضج ايضا برفض المنحى المعتمد داخليا في محاصرة الصحافة والعمل على تدجينها لا عتماد سردية معلبة يسعى اليها "الرجل الابيض" مع عبيده في الادارة.
وكتب جيم روتنبرغ وماغي هابرمان في صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة ترمب حولت صداماته الطويلة مع الإعلام إلى حملة واسعة للسيطرة على الخطاب العام، مستخدمة وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة الدفاع والهيئات التنظيمية والدعاوى القضائية.
ويشير الكاتبان إلى أن عملاء من مكتب التحقيقات الفدرالي ذهبوا إلى منازل صحفيين لتسليم مذكرات استدعاء، وفي إحدى الحالات أظهروا مذكرة تفتيش لمصادرة أجهزة، بينما فرض المسؤولون في البنتاغون قيودا على صحفيين رفضوا توقيع تعهدات تحد من تغطيتهم.
بحسب روتنبرغ وهابرمان، استخدمت الإدارة هيئات تنظيمية للضغط على مؤسسات إعلامية بسبب محتواها، وقلصت تمويل الإذاعة والتلفزيون العامين، كما رفع ترمب دعاوى ضد مؤسسات إخبارية كبرى، بينما تولى البيت الأبيض التحكم في تجمع الصحافة الذي كان مستقلا ويغطي الأنشطة الرئاسية، محددا المؤسسات الإعلامية التي يُسمح لها بالمشاركة.
وتشهد منظمات الدفاع عن حرية التعبير أن المقصود هو معاقبة المنتقدين وترهيبهم وإسكاتهم.
وتنقل الصحيفة عن كلايتون وايمرز؛ المدير التنفيذي لمنظمة “مراسلون بلا حدود” في فرعها بأمريكا الشمالية، قوله إن المنظمة ترصد تراجعا كبيرا في حرية الصحافة، مشيرا إلى أن الإدارة تتخذ خطوة جديدة للحد منها.

بلا أدنى شك, ان الادارة الاميركية التي تقوم سياساتها على قواعد استعمارية، اكان عبر شن الحروب , او الحصار الاقتصادي والمالي، او القتل الاقتصادي , تحتاج الى منظومة اعلامية مدجنة تحاكي اكاذيبها وعمليات التضليل التي تعتمدها, وشيطنة ما يناوؤها, لتحقيق مآربها الخبيثة , ولذلك فان الاعلام الحر حقيقة يمكنه ان يفضح تلك المأرب على الاقل ان لم يساهم في احباطها عندما يضع اما الرأي العام حقيقة السعي الشيطاني للتحكم في ما يمكن ان يصل اليه الشياطين.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل