لا عند طول اللحية ولا فخامة العمامة، يُختبر رجل الدين الحقيقي ـ محمد دياب

الجمعة 11 أيلول , 2026 02:26 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

رجل الدين ليس عمامةً تزيّن الرأس، ولا ذقنًا تميّزه عن الآخرين، ولا لقبًا يُضاف إلى الاسم فيمنحه هيبةً مصطنعة. رجل الدين الحقيقي مدرسةٌ قرآنيةٌ محمديةٌ تمشي على الأرض؛ علمٌ يُهتدى به، وتقوى تراقب الله قبل أن تراقب الحاكم، وأخلاقٌ تُقتدى، ومواقفٌ تُثبت أن صاحبها لم يجعل من الدين سلّمًا يصعد به إلى أبواب أصحاب النفوذ.

 لكن المؤلم أن بعض من تصدّروا المشهد الديني اختاروا طريقًا آخر. تركوا منابر الناس واتجهوا إلى بلاط السلاطين، وصاروا أقرب إلى الحاكم من المظلوم، وأشد حرصًا على رضا السلطة من رضا الله. تحولت العمامة عند هؤلاء من رمزٍ للعلم والمسؤولية إلى بطاقة عبور نحو الامتيازات والمكاسب والمواقع.

 المشكلة ليست في أن يلتقي رجل الدين بالحاكم أو ينصحه؛ فذلك قد يكون واجبًا إذا كان في اللقاء نصحٌ وإصلاح. المصيبة حين يتحول اللقاء إلى تبعية، وحين يصبح رجل الدين موظفًا معنويًا لدى السلطة، يجمّل أخطاءها، ويبرر قراراتها، ويبحث لها عن مخارج شرعية، ثم يطلب من الناس الصمت والطاعة والصبر.

 وأشدّ ما يثير الأسئلة حين يصل الأمر إلى التطبيع مع العدو. فحين يقبل رجل الدين، أو يبرر، أو يمنح غطاءً دينيًا لعلاقةٍ يرى فيها كثير من أبناء أمته خضوعًا لمشروع العدو وتجاوزًا لحقوق المظلومين، فإن السؤال لا يعود سياسيًا فحسب؛ بل يصبح سؤالًا عن معنى الموقف الديني نفسه.

 كيف يمكن لمن اعتلى منبر النبي ﷺ أن يفصل بين الأخلاق والمصلحة؟ وكيف يمكن أن تتحول القضايا الكبرى إلى مجرد حساباتٍ بروتوكولية ومكاسب سياسية؟ وإذا كان رجل الدين يطالب الناس بالصبر والتضحية حين يتعلق الأمر بالضعفاء، فلماذا تصبح المبادئ قابلةً للتفاوض عندما تفتح أبواب القصور؟

 ليس المطلوب أن يتحول رجل الدين إلى رجل سياسة، ولا أن يكون موقفه نسخةً عن موقف حزب أو دولة. لكن المطلوب ألا يُستعمل الدين لتجميل ما يراه هو نفسه ظلمًا، وألا تتحول الفتوى إلى ختمٍ شرعي على قراراتٍ صُنعت في غرف السياسة.

 لقد عرف التاريخ رجال دين دفعوا أثمانًا باهظة لأنهم رفضوا أن يكونوا أبواقًا للسلطة. كانت قوتهم في استقلالهم، وهيبتهم في صدقهم، ومكانتهم في أنهم لم يبيعوا ضمائرهم مقابل كرسي أو راتب أو قربٍ من حاكم.

 أما رجل الدين الذي لا يظهر شجاعته إلا أمام الضعفاء، ولا يرفع صوته إلا على من لا يملك سلطة الرد، ثم يتحول أمام السلطان إلى نموذجٍ للصمت والانحناء، فمشكلته ليست في ضعفه السياسي، بل في انهيار ميزان القيم لديه.

 إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يخطئ الحاكم؛ فالحكام بشر يخطئون ويصيبون. الخطر أن يجد الحاكم من يمنح أخطاءه غطاءً دينيًا، ويحوّل السياسة إلى مقدّس، والطاعة إلى عقيدة، والنقد إلى جريمة، والتنازل عن المبادئ إلى "واقعية سياسية".

 وحين يصل الأمر إلى التطبيع، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل الدين هو الذي يهدي السياسة، أم أن السياسة باتت تبحث عن الدين كي يبرر لها خياراتها؟

 إن نقد هذه الظاهرة ليس عداءً للعلماء، بل دفاعٌ عن مكانة العلم والعلماء. فالعالم الذي يستمد كرامته من علمه لا يحتاج إلى قرب السلطان كي يكون عزيزًا، والعالم الذي يخاف الله لا يجعل رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل.

 ليس المطلوب من رجل الدين أن يكون معارضًا دائمًا، ولا أن يخاصم الدولة لمجرد الخصومة. المطلوب أن يكون مستقل الضمير، واضح الموقف، قادرًا على أن يقول للحاكم: أحسنت حين يحسن، وأخطأت حين يخطئ، وظلمت حين يظلم، دون أن يحسب ثمن الكلمة قبل أن ينطق بها.

 فالعمامة لا تمنح صاحبها العصمة، واللقب لا يصنع عالمًا، وكثرة الأتباع لا تعني صحة الطريق.

 وفي النهاية، سيبقى السؤال الأصعب أمام كل من جعل نفسه على أبواب السلاطين: عندما تتعارض مصلحة السلطة مع حق الناس، ومع العدل، ومع الضمير، ومع ما يقتضيه الدين، في أي جهة ستقف؟

 وحين يصبح التطبيع مع العدو هو الثمن المطلوب للرضا السياسي، ستنكشف حقيقة المواقف أكثر من أي وقت مضى.

 هناك، لا عند طول اللحية ولا فخامة العمامة، يُختبر رجل الدين الحقيقي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل