العرب... من الوطنية والقومية إلى التطبيع والاستسلام _ د. نسيب حطيط

الخميس 30 نيسان , 2026 11:53 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يواجه العالم العربي اليوم، بمختلف مكوناته الرسمية والشعبية والحزبية، حالة 'النكسة الوجودية المستمرة' وتراجع النظام القيمي والسياسي على مستوى  الفكر والثقافة والإعلام، حيث يرزح مئات الملايين العرب تحت وطأة تهميشٍ مزدوج، أحدهما إكراهي نتيجة قمع الأنظمة وفتاوى وعاظ السلطة، والآخر طوعي بسبب الانكفاء الذاتي، مما جعلهم في حالة  العجز عن تقرير المصير، والتخلي عن مسؤولياتهم في نصرة المظلوم وصون الكرامة الوطنية بشكل أسوأ من  حقبة الاستعمار التقليدي، حيث واجه المحتل الخارجي مقاومة شعبية، اما اليوم فتبدو الهزيمة المعاصرة فِعلاً ذاتياً ينبع من الداخل، وتحوّل هذا الانكسار واليأس إلى 'استراتيجية نجاة' وحيدة، دفعت البعض للتطوع لمحاصرة قوى المقاومة وإدانة خياراتها، مما يُظهر حجم الاختراق الذي أصاب الوعي العربي الجماعي. ومن عوارض احتضار العالم العربي:
بدء عملية غسل العقول ومحو ذاكرتها  وتقليص تفكيرها وحصره "بالأنا"، واهمال الجماعة، وبدأت بتغييب القضية الفلسطينية عن المشهد السياسي والإعلامي والثقافي في العالم العربي، بعدما شكّلت القضية المركزية  للعالم العربي، بأنظمته التقدمية وأحزابه التحررية طوال 70 عاماً، لكنها الآن تعيش حالة الغربة والتبرؤ منها والإنكار لاستمرار تبنيها، نتيجة تفكيك الإجماع بتأييدها ،واستبدلت الأنظمة وبعض الشعوب والجماعات التكفيرية  فلسطين بدولة إسرائيل  بعدما تم تبني  خيارات التكيّف الجيوسياسي (التطبيع والاستسلام)، وتحوّلت فلسطين وشعبها الى عبء واتهام من يدعمها بالإرهاب ومعاداة أمريكا والسامية، وانها العائق امام التنمية للعالم العربي وعدم الاستقرار، بسبب الحروب وتكاليفها الجيوش، وانها السبب في ولادة بعض حركات المقاومة ولا بد من انهائها لأنها القضية التي تجمع العالم العربي والإسلامي، وتساهم في التعبئة الفكرية والسياسية المقاومة للمشروع الامريكي.
انقراض الأحزاب اليسارية والقومية والناصرية والعلمانية والدينية، ومن بقي منها على قيد الحياة السياسية، فلا يظهر إلا في بيانات انتخاب القيادات أو التجديد لها أو الاحتفال بذكرى التأسيس، مع غياب شبه كامل عن الأحداث الوطنية أو القومية، وتناقص أعداد المحازبين، وتعيش هذه الأحزاب على هامش الأحداث والتأثير، بعدما أحالت نفسها إلى التقاعد السياسي والثقافي والإعلامي، وهي في حالة الموت السريري ،مما جعل العالم العربي منطقة خالية من الأحزاب الفاعلة واحتفاظه بمنظومة الحزب الحاكم لزوم الديمقراطية المخادعة  والتضليلية.
تفكيك اللغة وتشويه هويتها، وصناعة "لغةٌ مشوّهة" تفتقر إلى قواعد الإعراب والصرف والنحو لتكون لغة الأجيال الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تم استبدال بعض الحروف بالأرقام اللاتينية وصارت لغةً بلا روح ولا ضوابط، مما سيؤدي لفقدان أدوات المقاومة الفكرية"، لحفظ الهوية الثقافية والحضارية والدينية للأمة.
إعدام النخب الثقافية الوطنية  وحصارها حتى داخل الأحزاب، وغاب الشعراء الوطنيون الثوريون وكذلك الفنانون، وحل محلهم منتحلو صفة الثقافة والأدب والشعر الذين يكتبون وفق ما تطلبه السفارات أو رعاة المال السياسي الموجّه، وفق منظومة استئجار الألسنة والعقول لترويج ما تريده الأنظمة ومؤسسات السيطرة على الرأي العام لتسطيح الثقافة والأدب، وتحييدها من دائرة الحرب الثقافية لتسهيل تدجين الثقافة وانقلاب المفاهيم والسلوكيات الاجتماعية وفرض منظومة أخلاقية تتماشى مع الديانة الابراهيمية  عبر "صناعة الفراغ"، وتعميم العناوين الفرعية الطائفية والمذهبية والقومية  بدلا عن الهوية الجامعة، لإسقاط العالم العربي في بئر سياسات الترفيه الاستهلاكي على حساب الهوية والثوابت والمبادئ".. من خلال توظيف "قطعان" الإعلاميين والفنانين والناشطين السياسيين والمثقفين الباحثين  عن الشهرة والمال.
تفكيك المؤسسات السياسية والثقافية والاقتصادية العربية الى التقاعد والتهميش، فتم تغييب جامعة الدول العربية إلى دار العجزة السياسي، ويتم إيقاظها، لإصدار بيان ضد حركات التحرر والمقاومة، أو لتشريع التدخل الأمريكي لإسقاط النظام، أو لتأمين الغطاء الشرعي للاحتلال "الإسرائيلي".
يحتضر العالم العربي، ككيان له هويته السياسية وتأثيره في القرارات المتعلقة بتقرير مصير دوله وشعوبه، وبدأ بالتشرذم إلى كيانات ، تتصارع مع بعضها، تمهيداً لتجزئته وتقسيمه وانحاز أغلبه للتطبيع والسلام مع العدو الإسرائيلي لضمان بقائه في السلطة، أو للنجاة من الاحتلال المباشر والعيش تحت الاحتلال المقنّع الذي يحفظ المؤسسات الدستورية شكلاً ويتحكم بها مضموناً، لتتحول الأنظمة والحكومات إلى وكلاء أو قائمين بالأعمال لصالح التحالف الأمريكي_الإسرائيلي.
محا العرب لاءات" الرفض (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف).. واستبدلوها" بـ "نعم".. حتى وصلنا إلى منعطف تاريخي  (لا عالم عربي...).
هل تستطيع أصوات طلقات وصواريخ آخر مقاومة عربية في لبنان ايقاظ العرب ومنع انهاءالقضية الفلسطينية ومقاومة "الديانة الابراهيمية"؟ إنها آخر المحاولات..


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل