حصار مضيق هرمز: بوارج صيد السمك في المياه العَكِرة _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 28 نيسان , 2026 11:45 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

راهن على إسقاط النظام الإيراني خلال أربعة أيام، فتساقط من شجرته الحكومية والعسكرية لغاية الآن أربعة وثلاثون وزيراً وقائداً حربياً، آخرهم وزير البحرية، على خلفية فشل محاصرة إيران بنحو ثلاثين بارجة من بينها ثلاث حاملات طائرات: أبراهام لنكولن، وجيرالد فورد، وجورج بوش، وحتى لو استحضر دونالد ترامب حاملات طائرات بعدد كل رؤساء أميركا الراحلين، فإن المشكلة في "القبطان" الحالي، الذي ينتصر فقط في التغريد على صفحته، فيما بوارجه في مياه مضيق هرمز عاجزة عن منع عبور سفن النقل من إيران وإليها، ولا ترى ما ينتظرها في أعماق المياه الإقليمية العَكِرة.

تداولت وسائل الإعلام تسريبات عن المراسلات المتبادلة بين طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني، والاستعداد الأميركي لفكّ الحصار عن الموانئ الإيرانية شرط عدم الإعلان عن ذلك، لكن إيران اشترطت هذا الإعلان عبر الإعلام لاستئناف المفاوضات، لأنها تعتبر ذلك انتصاراً لها في كسر حصار لم يكسرها أصلاً، لأن السفن التجارية تعبر بشكل شبه طبيعي بمحاذاة الشاطئ، وبحماية من زوارق حربية صغيرة وسريعة وفعالة لحماية هذه السفن القادمة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة من هذه الموانىء، وتبدو إيران وكأنها هي من تُملي شروط العودة إلى المفاوضات لأن الوقت ليس ضاغطاً بالنسبة إليها، فيما هو ضاغط على الطرف الأميركي، أولاً لأن الرئيس ترامب ملزم بنهاية شهر نيسان الحالي العودة إلى الكونغرس لنيل تفويض بمتابعة الحرب التي يكون قد مضى عليها شهران، والعودة إلى الكونغرس مُلزمة للرئيس، وثانياً لأن الوضع الداخلي للشارع الأميركي مثقل بالغلاء والتضخم، وغير إيجابي لجهة الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني المقبل، وسط تصاعد المطالبات بعزل ترامب على خلفية الحرب مع إيران.
وإذ انحسرت مطالب ترامب من إسقاط النظام الإيراني إلى تقييد برنامج إيران النووي والباليستي، ثم الاكتفاء بطلب فتح مضيق هرمز لإعلان "النصر" أي نصر كان، فإن الهزيمة الأكبر لترامب قد حصلت بمجرد التراجع عن خوض الحرب البرية، لأن أميركا التي حاولت الانتصار داخل الأرض الفيتنامية وهُزِمت، ولاحقاً احتلت العراق وأفغانستان واندحرت، فيما لم تتجرأ على ملامسة البر الإيراني، خاصة بعد واقعة إنزال أصفهان وما حدث لطائراتها وجنودها، واستنفار الشعب الإيراني الذي بلغ الملايين من المتطوعين للدفاع عن حدود بلادهم، في الوقت الذي استنفرت فيه أيضاً منظومة "جهاد البناء" من المتطوعين على كافة المستويات لإصلاح أعطال العدوان التي طالت ألفي نقطة كهرباء ومئة وثمانين سكة قطار تمت معالجتها خلال أيام.

ومأزق ترامب الحالي ليس في تحقيق إنجاز في الملف النووي، لأن الاتفاق الذي وقعه أوباما عام 2015 وألغاه ترامب خلال ولايته الأولى عام 2018، كان يعطي أميركا وحلفاءها (دول الخليج و"اسرائيل") أفضل مما سيحصلون عليه اليوم، خصوصاً بعد المبارزة الحربية التي حصلت خلال الأربعين يوماً الماضية، وانتصرت فيها إيران عبر تدمير 17 قاعدة أميركية، وأصابت بمقتل هيبة حاملات الطائرات الأميركية، سواء عبر المسيرات أو عبر الزوارق الخفيفة الحركة التي تغني إيران دفاعياً عن السفن الحربية، وبات مأزق ترامب الحقيقي، هو الاختيار ما بين النووي والباليستي لتحقيق النصر الوهمي قبل سحب "بوارج صيد السمك" من الخليج وكل الشرق الأوسط.
وإذا كانت "إسرائيل" خائفة من النووي ومرتعدة من الباليستي، فإن دول الخليج دخلت معها في نوبة ارتعاد ليس من النووي المزعوم بل من الباليستي المسموم، وهنا أصل الحكاية لما أنجزه ترامب قبل إقلاع بوارجه في طريق العودة الخائبة.

في الملف النووي الإيراني، ما كان يُعيق إيران عن إنتاج القنبلة النووية ليس مرتبطاً برفع نسبة تخصيب اليورانيوم، وقد أكد أكثر من خبير نووي، أن بإمكان إيران إنتاج قنابل نووية خلال أسابيع من كمية اليورانيوم المخصب المتواجد لديها حالياً، (440 كيلوغرام تخصيب 60%)، وأن رفع نسبة التخصيب من 60 إلى 90% لهذه الكمية، يُمكِّنها من تصنيع عشر قنابل، لكن إيران مقيَّدة بفتوى من المرشد الراحل علي خامنئي "بعدم تصنيع سلاح دمار شامل يؤدي إلى قتل أبرياء"، ولكن، بعدما اغتيل صاحب الفتوى، من يمنع المرشد الحالي من إصدار فتوى معاكسة لها بعد هذا العدوان الظالم الذي تعرضت له إيران؟ لا أحد من حقه منع إيران لو قرر الإمام مجتبى الخامنئي التصميم على المساواة في الحق، إيران نووية مع "إسرائيل"، أو نزع السلاح النووي من الإثنين معاً وإعلان الشرق الأوسط خالياً من الأسلحة النووية.  

في هذا السياق، أعلن الخبير القانوني الأميركي جوناثان غرانوف عبر مقالة له في مجلة "نيوزويك"، أن الحرب لا يمكن أن تقدم حلاً دائما للمخاوف المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية، وأن الدبلوماسية والمعاهدات وتعزيز آليات الرقابة الدولية هي السبيل الوحيد لمنع الانتشار النووي.

وأضاف غرانوف، بصفته رئيس معهد الأمن العالمي، أن التصعيد الحالي في منطقة الشرق الأوسط والذي نجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يهدد بتوسيع دائرة عدم الإستقرار بدلاً من معالجة جوهر المشكلة، وأن الحل للملف النووي الإيراني يكمن في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية باعتبارها الأساس القانوني للنظام النووي العالمي. 

أما الباليستي الإيراني فهو الذي يشكل المعضلة الحالية التي تتخطى القنبلة النووية، بل هو من رسم "الشرق الأوسط الجديد" كما تريده إيران، وليس كما أرادته أميركا ومعها "إسرائيل"، لأن إيران انتصرت من الأيام الأولى بمجرد صمود نظامها بعد اغتيال المرشد الأعلى والقادة الكبار، لكن دول مجلس التعاون الخليجي هي التي تشظَّت وحدتها نتيجة هزالة وضعها الدفاعي أمام التفوق الإيراني الحربي، وفيما بقيت سلطنة عُمان سيدة الحكمة في الحفاظ على سيادتها ودورها الإقليمي، تحلَّت القيادة السعودية بضبط النفس وعدم الإنجرار إلى الحرب، وحذت حذوها القيادة القطرية، فيما دفعت كل من الإمارات والبحرين والكويت أثماناً وفق نسبة شراكتها في العدوان على إيران، ولعل هذه الدول خلال بحث كل منها عن "البديل الدفاعي" بعدما ذاقت جميعها طعم الباليستي الإيراني، فإن وحدتها قد تصبح دون جدوى ما لم تنشىء جيشاً موحداً ربما بالإشتراك مع مصر وتركيا وباكستان، وتحترم حسن الجوار مع إيران التي "توَّجها" ترامب من حيث لا يدري "الشرطي الأول" في الشرق الأوسط، والبديل الجاهز لحماية مصالح بلدان شرق المتوسط من "الشيطان الأكبر" وبقايا حلفائه.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل