أقلام الثبات
انتصرت إيران من قبل أن تنتصر.. سحقت قواعداً أميركية مبنيَّة على رمالٍ في صحارى دول مجلس التعاون الخليجي، هذه الدول التي أهدرت المليارات على وَهَم الحماية الأميركية للعروش العائلية من "البعبع الإيراني"، ثبُت لمعظمها أخيراً أن إيران ليست بعبعاً عليهم، بل على مَن امتصَّ نفطهم ومواردهم، وامتصَّ دماءهم على مدى عقود، وقد يكون دونالد ترامب أصدق رؤساء أميركا في الإفصاح عن ثقافة "مدرسة رُعاة البقر في الغرب الأميركي" للسطو والابتزاز، منذ زمن إراقة دماء الهنود الحمر لبناء "أميركا العظيمة".
وبمعزل عن نتائج الحرب العدوانية الأميركية على إيران، فإن على كل كيان خليجي، سواء كان مملكة أو إمارة، مراجعة حساباته الداخلية قبل بحث مستقبل جواره مع دولة عظيمة بحجم إيران؛ صمدت وصبرت على مدى نصف قرن بين جيران خائبين مستسلمين كما "تنابل عبد الحميد"؛ كل ما يرتبط بأمنهم العائلي مستورد من لوبي الأسلحة الأميركي: الطائرات والصواريخ والبوارج والأسلحة والعتاد، وحتى عديد عناصر الشرطة والجيش هو أيضاً مستورد من اليمن وسلطنة عُمان والسودان وسواها.
وحتى قبل بحث كل دولة خليجية عن البدائل التي تناسبها لتوريث أي "أجنبي" الدور الأميركي في تلك القواعد العسكرية التي أُنفٍقَت عليها المليارات في العقود الماضية لحماية العروش العائلية، ودمرتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية خلال ساعات، ٰفإن على هذه الدول الخروج من كابوس "النووي الإيراني" الذي زرعته أميركا في رؤوسهم الأشبه برؤوس النعام الغارقة في الرمال، والنظر إلى أزماتهم برؤية استراتيجية وجودية واقعية، وإنفاق أموالهم بالتكاتف والتعاضد في ما بينهم كعرب ومسلمين، ومع إيران، تحديداً، ضمن حلف شرق أوسطي قومي واسع لمواجهة مخاطر ما يسمى الشرق الأوسط الجديد.
ومع الأسف، لن تبقى دول مجلس التعاون الخليجي على حالها بعد انتهاء العدوان على إيران، لأن بعضها تعاونت مع هذا العدوان بمجرد أنها شرَّعت أراضيها لقواعده وراداراته واستخباراته، لا بل كانت مدارجاً لإقلاع طائراته المعتدية على إيران، في الوقت الذي أقفلت معظم الدول الأوروبية أجواءها بوجه طائرات تقتل الأطفال في مدارسهم وتهدد بتقويض حضارة عمرها آلاف السنوات، على مرأى ومشاركة مَن لا تتجاوز أعمار كياناتهم المصطنعة بضع عشرات من السنوات.
وإذا كانت سلطنة عُمان قد أثبتت في مواقفها السابقة واللاحقة أنها الأنبل والأحكَم والأبعد رؤيوياً بين العرب عامة والخليجيين خاصة، فإن هذا العدوان الأميركي الصهيوني على إيران قد "غربل" دول مجلس التعاون، وما على الزؤان من أصحاب العروش العائلية سوى محاولة تنقية نفسه من "الخطايا المميتة"، رغم أن الزؤان لا يمكن أن يتحوَّل إلى حنطة.
هل رأى ملك البحرين غالبية شعبه في الشارع ضده، يتظاهر تأييداً لإيران ويطالب بإغلاق القاعدة الأميركية التي جعلت منها أميركا مركز قيادة للأسطول الخامس؟ وهل أن مساحة بلاده والتركيبة الديمغرافية لمواطنيه تسمح له بأن يحتضن قاعدة قيادة عدوانية جعلتها إيران الآن رماداً وغباراً دفاعاً عن نفسها؟!
والكويت، تلك الدولة المُنهكة داخلياً على المستويين السياسي والاجتماعي، التي تتصدر دول العالم في الأزمات بين مجالس الأمة والحكومات، والانتخابات المُبكرة المتكررة لمجلس أمة من جهة وتشكيل حكومة من جهة أخرى، حتى أصدر أميرها مشعل الأحمد الجابر الصباح في 10 مايو 2024 أمراً بحل مجلس الأمة وتعليق العمل ببعض مواد الدستور لمدة4 سنوات، مع فتح ملفات الفساد وأبرزها تجنيس "البدون" وهو لقب يُطلق على كويتيين بدون جنسية، مُقيمين ومولودين في الكويت، ويجري حالياً تجريد الآلاف منهم من جنسية اكتسبوها عبر المحسوبيات، وطار مجلس الأمة على خلفية فضائحها، هذا عدا عن ملفات السرقات ونهب الأموال العامة التي بعض أبطالها من العائلة الحاكمة، إضافة إلى ضعف إمكانيات الجيش والقوى الأمنية التي تعتمد أيضاً على القواعد الأميركية والعناصر المستوردة التي تُطلق الصواريخ إلى الخلف وتُسقط ثلاث طائرات أميركية.
أما الإمارات فبإمكاننا الحديث عنها بلا حرج، فقد تكون أكبر دافعي الأثمان في هذه الحرب، ليس لأنها تلقت العدد الأوفر من الصواريخ الإيرانية، بل لأنها الأكثر عداء لإيران، ليس لأن الأخيرة تسيطر على الجزر الثلاث "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى" و"أبو موسى"، التي تدعي الإمارات أنها أجزاء من أراضيها، بل منذ جعلت الإمارات من أرضها ملاذاً آمناً لتبييض الأموال والتهرب من الضرائب وأوكاراً للاستخبارات والأعمال العدائية ضد محيطها، لا بل تعدت محيطها اليمني الى ليبيا والصومال ومصر وسواها، وأعطت لنفسها حجماً أكبر من واقعها، سيما أن الخلافات العائلية بين هزاع بن زايد وطحنون بن زايد باتت طاحنة داخلياً حول الاستحواذ على صندوق الأموال السيادية وخلافة محمد بن زايد، وخارجياً حول مغامرات الأخير العابرة للحدود التي أغضبت الجار السعودي الأقرب، إضافة إلى الجار الإيراني الذي أعلن أكثر من مرة إمكانية احتلال الإمارات خلال ساعات، ودفع بسكان إمارة رأس الخيمة إلى إخلاء منازلهم بعد ورود إنذار من إيران على خلفية تصريح محمد بن زايد عن نيته المشاركة بعملية "تحرير" مضيق هرمز.
في الخلاصة، بعض دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والبحرين والإمارات، ستستفيق قريباً من كابوس هذه الحرب التي كانوا يحلمون أنها قد تُسقِط النظام الإيراني، ويوقنون أن هذا النظام مستحيل سقوطه، لأنه إرث ديني عقائدي قومي ديمقراطي، وليس على شاكلة إرث آل الصباح في الكويت وآل خليفة في البحرين وآل نهيان في أبو ظبي، والله الستَّار الرحيم، ستر نواطير النفط من انهيار هذا النظام لا سمح الله، لأنه وحده جلَّ جلاله، سيكون الكفيل بضبط الفوضى الإقليمية لو ترجل "الفارس الفارسي" عن صهوة جواده.
الإرهاب الثقافي "الإسرائيلي" لمحو الهوية وتدمير الموروث التاريخي _ د. نسيب حطيط
"زلزال كبير في المنطقة".. وصولا إلى لبنان؟! _ ماجدة الحاج
انقسام السلطة في لبنان.. بين جبهتي 17 و25 أيار _ د. نسيب حطيط