الإرهاب الثقافي "الإسرائيلي" لمحو الهوية وتدمير الموروث التاريخي _ د. نسيب حطيط

الخميس 23 نيسان , 2026 10:23 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يمارس العدو "الإسرائيلي" حرباً متعددة الأهداف، يتقدمها تحقيق الهدف العسكري والأمني، كما هو معلن في التصريحات "الإسرائيلية" العسكرية والسياسية، من خلال إنشاء المنطقة الأمنية العازلة، وحماية المستوطنات، ونزع سلاح المقاومة، وتسلط وسائل الإعلام والتواصل والمباحثات السياسية والمفاوضات حول وقف النار الضوء على الجانب العسكري، دون الالتفات إلى الحرب الثقافية الخطرة التي تحاول اسرائيل من خلالها محو الهوية الثقافية والتاريخية والدينية للجنوب اللبناني (جبل عامل)، واجتثاث جذور الحاضر مع كل الماضي بحياته المتنوعة الحضارية والدينية، كمقدمة لإعادة بناء المنطقة ثقافياً وتراثياً وعمرانياً وفق مفاهيم العقيدة الدينية التوراتية والتلمودية، وذلك بتزوير التاريخ وصناعة هوية جديدة لتثبيت الحق الإسرائيلي التوراتي في جنوب لبنان إلى نهر الليطاني كحدود أولى، واعتبار السكان المحليين الأصليين محتلين للأرض "الإسرائيلية" الأصلية.
إن الحرب "الإسرائيلية" على جنوب لبنان ليست على الأرض، بل تتعداها إلى فضاء الذاكرة والهوية والانتقام والاعتداء على التاريخ والتراث العمراني والديني والثقافي ونقاط ارتكازه وينابيعه الثقافية، من المساجد والكنائس والآثار التاريخية والمقامات، ضمن الحرب على الهوية والثقافة والدينية من منطلقات الحرب الدينية "الإسرائيلية" التي يرتكز عليها السياسيون والعسكريون "الإسرائيليون" لمحو الهوية اللبنانية، خصوصاً التي ترفض التطبيع والاستسلام، وتحويل الجنوب إلى أرض مدمّرة محروقة بلا تاريخ وبلا جذور وبلا معالم ودون رموز دينية أو ثقافية، مما يسهّل عملية التهجير الثقافي والحضاري، بعدما تم إنجاز تهجير السكان للبدء بمرحلة ما تريد "إسرائيل" إقراره، وهو التهجير الدائم البشري والثقافي والحضاري كخطوة أولى لترحيل السكان وتوطين اليهود مكانهم، وإلحاق جنوبي الليطاني بدولة "إسرائيل" الصغرى، كما فعلت بالقرى السبع الشيعية بعد احتلال فلسطين.
لم يكتفِ العدو "الإسرائيلي" بتدمير وقصف المنشآت العسكرية المفترضة، بل شملت كل المنشآت الدينية والمدنية والثقافية والصحية والرياضية، فدمّر المقامات الدينية التاريخية، كمقام النبي شمعون في بلدة شمع، والذي حاولت "إسرائيل" تزوير هويته بالاستعانة بعالم الآثار المعروف 'زئيف إرليخ' المتخصص في سرقة التاريخ في فلسطين؛ ولما فشلت في مساعيها ارتكب الجيش "الإسرائيلي" جريمة تدميره وتخريبه بعد أن أعاده الأهالي ورمموه من قصف عام 2024 ودمروا مقام النبي بنيامين في "محيبيب"، مع علمهم أنه ليس موقعاً عسكرياً، ولم يلجأ إليه أي مقاوم مسلح، مع ظاهرة أساسية وهي تدمير كل المساجد في كل القرى لتدمير الرمزية الدينية والانتقام، ضمن محاور الإرهاب الثقافي الإسرائيلي لتنفيذ خطة الإبادة الثقافية والحضارية والدينية لجنوب لبنان وفق الآتي: 
- تدمير كل الحسينيات والمساجد في القرى الحدودية، بالإضافة إلى تخريب أو قصف بعض الكنائس، فقد دمرت أجزاء من كنيسة "مارجرجس في "يارون"" ومزار "يسوع الملك" في "عين إبل"، وتدنيس كنيسة "دير ميماس" "في دير ميماس" لتثبت أن حربها ليست على الشيعة بل على الهوية اللبنانية بمسيحييها ومسلميها".
- تدمير كل المقامات الدينية التاريخية في الجنوب حتى التي أعاد الأهالي ترميمها، وكانت "إسرائيل" قد سبقت إلى تدمير مقامات دينية في النبي "سجد" والنبي "صافي" وغيرهما من المقامات الدينية.
 - تفجير المدارس الرسمية والمراكز الثقافية العامة مع مراكز البلديات وغيرها. 
- تدمير كل البيوت التراثية حتى خارج ساحة المعركة وفي مدن وقرى بعيدة عن منطقة الاشتباكات.
- تفجير مقابر القرى لاغتيال الموتى، بمفعول رجعي، لمحو الهوية، وإعدام الشعور، بالعاطفة والحزن وزيارة الموتى.
 - تدمير المستشفيات الحكومية والخاصة، حيث لم يبقَ جنوب الليطاني، إلا مستشفى تبنين الحكومي، الذي يحاصره العدو بقصف محيطه وإغلاق طرق الوصول إليه.
 - قصف الأماكن الأثرية والتراثية من قلاع وآثار بشكل مباشر أو اختراق جدار الصوت فوقها، مع قصف للمنطقة المجاورة مما يهدد متانتها ويعرضها للانهيار.
- اغتيال الصحفيين الذين يكشفون جرائم الإبادة التي يرتكبها العدو، يهدف إلى طمس الحقائق وتكريس الرواية "الإسرائيلية" للأحداث.
لا بد من مواجهة ومقاومة حرب الإبادة الثقافية والحضارية التي يشنها العدو "الإسرائيلي" الذي يتفنّن ويحترف الإرهاب بكل عناوينه، خاصة الإرهاب الثقافي الذي بدأه في فلسطين والقدس ضد المسلمين والمسيحيين، فصادر أملاكهم وحاصر أماكنهم المقدسة ومنعهم من اقامة صلواتهم واحتفالاتهم.
ندعو الوزارات والمؤسسات الرسمية والاهلية والبلدية والاوقاف والجمعيات التراثية، المبادرة لتوثيق جرائم العدو ضد الإنسانية والتواصل مع الهيئات الدولية، لحماية التراث الحضاري في جنوب لبنان، وتحييد الأماكن الأثرية ودور العبادة من الإرهاب "الإسرائيلي" الذي لا يعترف بالقانون الدولي ولا بالأخلاق ولا بالإنسانية.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل