مقالات مختارة
تتجاوز معركة تلة "علي الطاهر" في الجنوب اللبناني كونها اشتباكاً على نقطة حاكمة في الجغرافيا العسكرية، إذ ان هذه المواجهة تقدم نموذجاً كاشفاً لحدود القوة العسكرية الصهيونية، وتبرز نمطاً متقدماً من إدارة الصراع، يتقاطع فيه الثبات الميداني مع هندسة الردع الإقليمي وحسابات التفاوض غير المباشر.
المأزق الصهيونية تحت الأرض
تُسقط وقائع الميدان عند محور كفرتبنيت وتلة علي الطاهر رهانات العقيدة القتالية الصهيونية التي تم تبنّيها بعد 7 أكتوبر؛ فبعد أن أُسقط مفهوم الحسم السريع لصالح «استراتيجية الاستنزاف والتجريف المنهجي البطيء» اصطدم هذا النهج الجديد بمنظومات الدفاع المعقدة، والمنشآت المحصنة في عمق الارض (نمط منشآت عماد) بحيث تُجبر قوات الاحتلال الصهيوني على العمل بنمط الحصار الموضعي، مع محاولات الاختراق الحذرة، مما يكشف تآكل وتلاشي فاعلية القوة العسكرية إذ بات البقاء الميداني الطويل استنزافاً مباشراً للقوات الصهيونية أمام كمائن المقاومين، والصواريخ الموجهة، واشتباكات المسافة صفر.
هذا الفشل العملياتي في إسقاط المنشأة يفسر لجوء اعلام العدو العسكري إلى تضخيم الرواية، عبر الحديث عن وجود قيادات وضباط إيرانيين، وهي سردية تهدف إلى التغطية على التعثر العسكري، وتقديم تبرير مسبق للكلفة البشرية المرتفعة، فضلاً عن تهيئة المناخ لتدويل المعركة لتعويض العجز الذاتي.
الدبلوماسية الإكراهية
أمام انسداد أفق الحسم العسكري، تلجأ تل أبيب إلى ممارسة ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"الدبلوماسية الإكراهية"؛ في محاولة لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية، كتسليم المنشآت لقوات وسيطة، أو تفكيكها عبر التلويح بالحصار والتدمير.
إلا أن مسار المفاوضات يعكس ديناميكية معاكسة تماماً؛ فالصمود الدفاعي، والقدرة على المناورة وخرق الحصار، حوّل الضغط الصهيوني إلى عبء سياسي وعملياتي، حيث بات المقاوم يمتلك رافعة تفاوضية تمكنه من مقايضة التهدئة الميدانية بانسحاب صهيوني شامل من النقاط المحتلة، مجرداً الاحتلال من أوراق الابتزاز التكتيكي.
حسابات طهران
ما يجري في الجنوب اللبناني لا ينفصل أبداً عن المشهد الإقليمي. فحسابات طهران واضحة في تثبيت معادلة الردع. إظهار الجاهزية والقدرة على الرد ليس بهدف تفجير حرب كبرى، بل لمنع تل أبيب وواشنطن من التمادي وتوسيع العدوان. إفشال مخططات الاحتلال في هذه التلال الحاكمة يقطع الطريق عملياً على محاولات جر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، ويضع الإدارة الأمريكية أمام كلفة حقيقية لأي تهور صهيوني.
وأمام عجز الدبلوماسية الإكراهية وتآكل فاعلية الآلة العسكرية فوق تلال الجنوب: هل بات الاحتلال محاصَراً بين فكّي الاستنزاف الميداني والانكسار السياسي، أم أنه سيجازف بالهروب إلى الأمام نحو مواجهة إقليمية غير محسوبة النتائج؟
انتهت الستون يوماً… وبقيت ساعة الحرب: لبنان بين هدنة هشة وحرب مؤجلة
إبادة بيئية في الجنوب: العدو يسرق الزيتون!
السياسة والأخلاق