أقلام الثبات
طوال أكثر من سبعة عقود عرفنا سوريا بأنها قلب العروبة النابض، ومأوى المقاومين والوطنيين المنفيين من أوطانهم، والعمق الاستراتيجي لحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، والبلد العربي الذي لم يطبّع او يوقع اتفاقات سلام وتطبيع وتنسيق أمني مع العدو، والوحيد الذي دعم الثورة الإسلامية في إيران أثناء حصارها حتى تم إسقاط نظام ( الأسد الأب والابن) اللذين قادا سوريا المقاومة، بعيداً عن نظام الحكم الذي قادوه في الداخل السوري، والذي يشابه أنظمة الدول والأحزاب العربية التي تصادر حرية الرأي وتعتمد منهجاً يرتكز على وجوب التنفيذ وعدم الاعتراض لأن القيادة تعرف أكثر.
سنتان مضتا على تنصيب نظام جديد، حوّل سوريا إلى شركة مساهمة تبيع أسهم الجغرافيا والسياسة والثروات إلى الدول التي شاركت بإسقاط النظام القديم، وفي مقدمتها أمريكا المالك الأكبر للأسهم (رئيس مجلس إدارة سوريا)، فأخذت تركيا أسهم الشمال مع شراكة في القرار السياسي، وأخذت "إسرائيل" أسهم الجولان والجنوب (درعا)، مع حق منع تأسيس جيش أو قوة عسكرية سورية بعد تدميرها لكل القدرات العسكرية السورية التي جمعها النظام القديم طوال 50 عاماً، مع شراكة هامشية لدول الخليج العربي التي موّلت الحرب على سوريا وتعهدت بإصدار فتاوى الجهاد لإسقاط النظام، لكنها خرجت "بخفي حنين"؛ كعادة العرب الذين تستعملهم أمريكا و"إسرائيل" لتدمير كل القدرات العربية منذ الرئيس جمال عبد الناصر إلى المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية، وكانت ذروة خطيئتهم بالاشتراك مع صدام حسين بالحرب على إيران الثورة وهي مولود جديد بأمر من أمريكا طوال 10 سنوات.
سنة ثانية على الاحتلال والاستباحة والقمع ولا يزال الوطنيون السوريون يلتزمون الصمت والاختباء أو الفرار للنجاة، وهم يرون الفوضى الأمريكية المنظمة لسوريا لإعدامها وتقسيمها الذي بدأ من إقليم الدروز في الجنوب، والذي ستتبعه أقاليم أخرى وفق المشروع الأمريكي، ولم يتحرك أحرار سوريا الشرفاء لحفظ سوريا وثرواتها وكرامتها.
سنة ثانية والاحتلال "الإسرائيلي" يتقدم في الجغرافيا السورية ويقضمها، بعد إعلان نيته تأسيس منطقة أمنية عازلة في الجنوب السوري تضم الجولان والمناطق "الدرزية" ودرعا "السنيّة"، بعد تهجير أهلها ،لقطع حبل السرّة بين سوريا والأردن، ولتأمين ممر داوود بين "إسرائيل" والعراق وصولاً إلى إقليم كردستان في العراق.
ما يثير الاستغراب هو صمت الشعب السوري الذي نعرفه شعباً عربياً معادياً للعدو الإسرائيلي، وصمت الجيش العربي السوري الذي تم حلّه وتفكيكه ومطاردة ضباطه وعناصره إلا أنه لا تزال أكثرية جنوده وضباطه (السنّة) في الداخل السوري، وكذلك صمت حزب البعث وطلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة والحزب السوري القومي والحزب الشيوعي والأحزاب القومية والوطنية العربية بعد مضي سنتين على سقوط النظام ومع تفهمنا للظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوري بعد 14 عاماً من الحرب والتدمير والتهجير والأوضاع الاقتصادية، إلا أن ذلك ليس مبرراً وعذراً للقعود والصمت وعدم التحرك، فقد مررنا في لبنان بتجربة أصعب من ذلك بكثير، فقد كانت الحرب الأهلية لا تزال قائمة واجتاحت إسرائيل لبنان واحتلت العاصمة بيروت ونصّبت رئيس جمهورية تابعاً لها (كما عدنكم الآن) وطردت المقاومة الفلسطينية التي كانت تشكل العمود الفقري للقوى الوطنية اللبنانية، ومع ذلك انطلقت المقاومة الوطنية والإسلامية بعد أقل من شهرين على الانهيار العسكري والسياسي في لبنان واستطاعت تحرير لبنان خلال 18 عاماً!
فليبادر الوطنيون والشرفاء في سوريا من القوى الإسلامية واليسارية والعلمانية من كل الطوائف والمذاهب للبدء بحرب الدفاع عن سوريا الواحدة والمقاومة للمشروع الإسرائيلي -الأمريكي الهادف إلى تفتيتها وتفكيكها إلى أقاليم طائفية متناحرة وضعيفة، ومنع نهب ثروات سوريا وحفظها للشعب السوري كحق مشروع، وإن التأخر ببدء المقاومة السورية المدنية والمسلحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي المباشر والواضح ومقاومة الاحتلالات الأخرى العلنية والسرية والمخادعة سيجعل من إنقاذ سوريا أمراً صعباً يحتاج للكثير من التضحيات والسنوات.
لا زالت ثقافة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وعدم التطبيع والسلام معه حاضرة في نفوس الجيل السوري الحالي، ويمكن إعادة إحيائها لتتحول من ثقافة إلى سلوك وفعل مقاوم ،قبل أن ينتصر المشروع الأمريكي- الإسرائيلي- التركي في وأد ثقافة المقاومة والاستقلال السوري، ويلقح العقل السوري بجرعة الاستسلام والتكفير وقتال أبناء الشعب السوري لبعضهم بعناوين طائفية ومذهبية.
لبدء معركة تحرير سوريا من الاحتلالات "الإسرائيلية" والمتعدّدة الجنسيات، فانفروا واحصروا مقاومتكم ضد الاحتلال الأجنبي ولا تنزلقوا لقتال النظام ومؤيديه، بل حاولوا استمالتهم من نوافذ الدين، وقبل ان تلقي القبض عليكم الثعالب المتعددة الجنسيات في بيوتكم ومخابئكم... الاستشهاد أكرم من الإعدام والسجن والفرار..
قاوموا... ولو بكلمة.
المقاومة الثقافية "إسرائيل" تركل من أراد التجربة.. بعدما أعطاها كل ما تريده مجاناً _ د. نسيب حطيط
إعلان "دولة جبل الباشان": استحضار التاريخ لتمزيق الجغرافيا _ أمين أبوراشد
سقوط "الإسلام التكفيري".. وانفضاح دوره في المشروع الأمريكي _ د. نسيب حطيط