أقلام الثبات
خلال زيارة له إلى الجنوب السوري المحتل، أعلن وزير الدفاع "الإسرائيلي" إسرائيل كاتس، عدم الانسحاب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية "ما دامت هناك تهديدات جهادية لدولة إسرائيل"، متوجهاً إلى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بالقول: "الرسالة واضحة، عندما تستيقظ صباحاً في القصر بدمشق وتنظر إلى جبل الشيخ وترى الجيش الإسرائيلي، فإنك تعلم أننا هنا للدفاع عن مستوطناتنا وحدودنا".
وهو نفسه (كاتس) يخطط لزيارة مرتقبة إلى مقر إقامة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري في بلدة قنوات جنوبي سوريا، لإعلان انفصال "جبل الباشان" (السويداء وجبل العرب) عن سلطة دمشق وإعلان الحكم الذاتي، مع تصريح الهجري يوم الثلاثاء الماضي، أن "الدروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل بالعقيدة والتاريخ والفكر، وأن التركيز يحصل على أمر تاريخي لدى الموحدين الدروز، للحفاظ على هذا الفكر وهذه الدولة".
وللعلم، قبل ارتكاب مجزرة السويداء في شهر تموز 2025، لم تكن هناك تسمية متداولة لما تُعرف بـ"أرض الباشان" التي وردت في التوراة، وهي منطقة واسعة شرقي نهر الاردن، وتشمل هضبة الجولان وأجزاء من حوران وجبل العرب وجنوب سوريا، واستخدمها الشيخ حكمت الهجري بعد المجزرة، لإعطاء بُعد تاريخي للعلاقة بين يهود "إسرائيل" والدروز.
ناشط درزي سوري مُسِن في بلاد الاغتراب اسمه محمود الحكيم من جبل العرب، وهو من مؤيدي الشيخ الهجري، ومن منطلق معرفته بالمذهب والتقاليد، أعلن "وحدة الحال" تاريخياً بين الدروز و"إسرائيل"، وأعطى براهينَ على هذا الأمر وقال: "نحن جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، وكل المقامات عندنا يهودية، مثل النبي أيوب في قنوات، حيث حُفرت على أحد المعالم النجمة السداسية، ولدينا أيضاً الخضر ومار جرجس وشيحان ولشع، وكلها مقامات يهودية، ثم إن أمهاتنا يَضعنَ ختم النبي سليمان بن داود على العجين لمباركته".
قد يعتقد البعض أن إعلان الحكم الذاتي في "دولة الباشان" قرار درزي سوري صرف، نتيجة النقمة الدرزية على ما ارتكبته الجماعات التكفيرية وبعض العشائر العربية من جرائم في السويداء، لكن قرار الانفصال عن سلطة دمشق هو إحدى محاولات تقسيم سوريا، ويتماشى مع خطط إسرائيل الكبرى، لكن استكمال هذا التقسيم دونه عقبات، بعد استيعاب الأكراد ضمن الدولة السورية، وتعيين قائد قسد سابقاً مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس أحمد الشرع للشؤون الكردية، إضافة إلى استحالة انفصال الساحل العلوي نتيجة خلافات داخلية بين القيادات العلوية وانتفاء وجود دعم مباشر للانفصال كما هو حاصل للدروز في الجنوب.
و"دولة الباشان" التي ستكون ذات غالبية درزية، ستجعل مناطق الشمال الشرقي لفلسطين المحتلة درعاً اجتماعياً موالياً في البداية، وكياناً تابعاً لما تسمى "دولة إسرائيل" لاحقاً، بالنظر الى إعجاب الشيخ الهجري بدولة القانون والمساواة في "إسرائيل" والأمان الذي لم توفره للدروز الدولة السورية، إضافة إلى أن كيان دولة الباشان لا يستطيع الاستمرار كإقليم داخلي غير ساحلي، دون الانفتاح الطوعي أو القسري على "إسرائيل"، خصوصاً بعد قطع العلاقات مع دمشق، سيما أن الجنوب السوري يعتمد على القطاع الزراعي ويعاني من البطالة كما كل الأرياف، وهنا مكمن الخطر؛ عندما يرتهن اقتصاد دولة أو دويلة باقتصاد دولة أخرى.
لكن قيام "دولة الباشان" كدولة مستقلة صعب التحقيق، لأن هناك قوانين ومعايير دولية غير متوفرة، إضافة إلى وجود ثلاثة مشايخ عقل للدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري هو أحدهم، إضافة إلى الشيخين يوسف جربوع ومحمود الحناوي، وهؤلاء على المستوى السياسي ليسوا على قلب رجل واحد، لا بل إن البعض من الدروز يعتبرون الشيخ الهجري "ظاهرة انفعالية" لا تتماشى مع عروبة أبناء جبل العرب الذين قاوموا واستشهدوا من أجل وحدة سوريا، ويفخرون بالقائد التاريخي سلطان باشا الأطرش، ويتمسكون بالوحدة السورية التي صنعوها، وأن العقل والحكمة يرفضان ربط مصير الدروز في سوريا بنظام إسلاموي مؤقت في دمشق، لا الأقليات راضية عنه ولا المسلمين الأشاعرة يعتبرون أنه يمثل إسلام بلاد الشام باعتداله وانفتاحه وحضارته، وإذا كان قيام حكم ذاتي تحت مسمى "دولة الباشان" أو إقليم السويداء فهو سيكون تسوية أمنية محلية، وسياسية مبتورة، بانتظار تغييرات ما في دمشق، في حال إبعاد الإرهابيين السابقين والحاليين عن السلطة بوجود الشرع أو بدونه.
المقاومة الثقافية "إسرائيل" تركل من أراد التجربة.. بعدما أعطاها كل ما تريده مجاناً _ د. نسيب حطيط
سقوط "الإسلام التكفيري".. وانفضاح دوره في المشروع الأمريكي _ د. نسيب حطيط
لماذا الحرب واقعه _ يونس عوده