أقلام الثبات
تحذر أصوات كثيرة وجهات عدة جماعة السلطة في لبنان، التي أتم ترتيب صفوفها الأميركي ومن يأتمر بتعليماته في المنطقة، من أن عودتها إلى استكمال ما فشل في تنفيذه، الذين سبقوها خصوصاً عام 1982 وما بعد، يشكل خطراً كبيراً على لبنان، لأنه بكل بساطة سيعني تكرار الرد الذي واجهته السلطة المتأمركة والمتصهينة في تلك الأوقات، مما أطاح بها وبمشروعها، ولو إلى حين.
ومن أبرز تلك التحذيرات، تلك التي انطلقت، وما تزال، تقارن بين سياسة الرئيس الأسبق أمين ىالجميل وحكومته التي ترأسها حينذاك شفيق الوزان؛ وبين سياسة وخطوات الرئيس الحالي جوزاف عون؛ وحكومته التي يرأسها نواف سلام، خصوصاً في انتهاجهما سياسة الانبطاح أمام الإملاءات الأميركية في التفاوض مع العدو "الإسرائيلي"، الذي يحتل أراض لبنانية ويمارس العدوان بحق اللبنانيين منذ اغتصاب الغزاة الصهاينة أرض فلسطين.
وتأتي في هذه الأيام ذكرى جريمة إشعال الحرب الأهلية في 13 نيسان عام 1975، التي أطلق عليها مشعلوها زوراً اسم "حرب تحرير لبنان من الغرباء"، في حين أنها على العكس من ذلك، كانت تمهيداً للميدان أمام اجتياح "إسرائيلي" للبنان، وصلت قواته إلى قصر بعبدا، حاملة على ظهر دباباتها حليفها بشير الجميل، بما يؤكد أن رفع الشعارات شيء والهدف منها شيء آخر، بما كشف مسبقاً شعارات الحكم والحكومة الحاليين، في سعيهم للتفاوض مع العدو "الإسرائيلي"، فالتطبيع هو الهدف، رغم أن دولاً عربية وقعت في أوحاله؛ في "كمب ديفيد" و"وادي عربة" و"أوسلو"؛ ولم تحصّل منه غير الذل والفقر والهوان، لكن التدخل الدولي والإقليمي العلني، هو من أوصل جوزاف عون ونواف سلام إلى قصر بعبدا والسراي الحكومي؛ وهل ننسى فضيحة "أبو عمر السنكري" ووصاية اللجنة الخماسية؟ كان تدخلهم وقحاً حتى في اختيار الوزراء؛ والهدف منه هو استعمال هذه السلطة، التي تمثل الخارج ولا تمثل إلاّ قلة من اللبنانيين، لمواجهة المقاومة؛ والدخول في تحالف مع "الإسرائيلي"، بأوامر أميركية وبتمويل وغطاء عربي نفطي؛ في إعادة واضحة للبنان إلى زمن اتفاقية 17 أيار المشؤومة، التي عقدها حكم أمين الجميل؛ وأسقطتها القوى الوطنية في ما عرف حينها بانتفاضة السادس من شباط.
لكن ما تريده السلطة المعينة من الخارج، سلطة السفارة الأميركية و"أبو عمر السنكري"، هو خراب للبنان، مثلما أوقع حكم الجميل لبنان في خراب لم يشفى منه حتى اليوم. فحكم الجميل كان أقوى من الحكم الحالي مئات المرات؛ والمقاومة اليوم أقوى مما كانت عليه عام 1982 بما لا يقاس. كان جيش الإحتلال "الإسرائيلي" في بيروت حينها، لكنه اليوم عاجز عن إحتلال قرى وبلدات الخط الحدودي الأول في الجنوب، أمام بطولة واستبسال المقاومين. وكانت قوات "المارينز" والمظليين الفرنسيين تنتشر في بيروت لحماية حكم الجميّل، لكن بضعة إستشهاديين جعلوها تفر هاربة. وارتكبت قوات حزب الجميّل وجيش الخائن سعد الحداد مجزرة صبرا وشاتيلا، في حين أن آلاف الاستشهاديين اليوم يجعلون الوجود العسكري الأميركي في لبنان جباناً، لا يجروء ضباطه ومستشاروه على الظهور في أي مكان، بل جرى سحبهم من أمكنة انتشارهم ليختبأوا في سفارة عوكر المحصنة، ولعل المنبطحين أمام "الإسرائيلي"، الذين يتباهون بأنهم يكسرون حاجز رفض التفاوض مع العدو، يتناسون أن نظام 17 ايار كان يراهن على انهيار العامل النفسي للقوى الوطنية، إثر خروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان، لكن رهانهم خاب وسقط الإتفاق وأهله. وسلطة حكم "القسطل والسنكري" الحالية، مصدومة من الصمود الأسطوري في الجنوب، لكنها تراهن على إستغلال التهجير وتدمير البيوت والممتلكات؛ وتتعامى وتتجاهل عن أن كلمة "آخ" لم تصدر من شعب المقاومة وجمهورها، رغم الآلام والتضحيات الغالية، والحكم فوق ذلك يرتكب فعل الخيانة للدستور الذي يجرم التواصل مع العدو "الإسرائيلي"، وليس فقط يخون دماء الشهداء من الجيش والشعب والمقاومة، الذي قدم قرابيناً في محطات عدة منذ العام 1948.
أكثر من ذلك؛ تحفر هذه السلطة قبرها بأيديها، فقد أدى إستفراد أمين الجميل بالحكم وتكليفه شخصية ضعيفة كشفيق الوزان، إلى ردود فعل دفع المسيحيون ثمنها؛ في "اتفاق الطائف" وفي الحروب التي نشبت بين القوى المسيحية في صراعها على السلطة، مما هجّر القسم الأكبر منهم، فباتوا أقل من عشرين في المائة من المقيمين، والآن يكرر جوزيف عون الخطأ نفسه، لأن نواف سلام لا يستطيع أن ينجح لدور مختار في مسقط راسه المصيطبة، لكن عون يكرر ما كان سائدا قبل الطائف، فيحول الحكومة ورئيسها إلى مجرد معاونين، فهو الذي تقدم بقرار التفاوض مع "إسرائيل"، لتوافق عليه الحكومة؛ في انقلاب جديد على إتفاق الطائف، وهناك من أصحاب "الرؤوس الحامية" من يدعو عون للدخول شخصياً إلى مجلس النواب وانتزاع قرار بتشريع ما يقوم به، حتى ان مخالفة الدستور باتت من فضائح الحكم الحالي، فرئيس الجمهورية محرج من الموافقة على إطلاق سراح التكفيريين، الذين ذبحوا جنود الجيش اللبناني في جرود عرسال. فكان أن تحادث "جولاني" سورية مع سامي الجميل، الذي لا يملك أي صفة رسمية، فاوحى الجميل لعضو حزبه وزير العدل، الذي أطلق بدوره قاتلي الجنود اللبنانيين، الذين سبق أن أكد رئيس الجمهورية بأنهم لن يطلق سراحهم.
ومرة أخرى، يضع العهد الحالي مسيحيي لبنان في "بوز المدفع"، لا ليدافعوا عن أنفسهم ولا عن لبنان، بل ليكونوا حطباً لأمر أميركي ويحققوا مصالح "إسرائيلية"، تقضي بضم لبنان، ولو بالقوة، إلى طابور الأنظمة العربية المتهودة في ما يسمى "الإبراهامية" التهويدية؛ في حماقة تذكرنا بحماقة حكم الجميّل، الذي حاول إسكات الأصوات المعارضة لتفاوضه الخياني مع العدو، فكلف سيمون القسيس وعناصر الشعبة الثانية، اغتيال رمز الصحافة الوطنية المقاومة الراحل طلال سلمان، ففشلوا، ولو أن محاولتهم تركت ندوباً في وجه سلمان، الذي قيض له أن يعيش لعقود طويلة بعدها، شهد فيها انتصارات المقاومة، لكن الله رحمه ورحل، حتى لا يشهد تكرار عهد الجميل مع تبدل الأسماء، لكن هل تظن جماعات الخيانة والتفاوض والتطبيع مع العدو، أن عودتهم إلى مسار حكم الجميّل لن تجعل المقاومين يقولولون لهم "عدتم وسنعود بدورنا"، لنوقفكم عند حدود كرامة لبنان واللبنانيين؟
مشاري العفاسي بوق في زمن الفتنة ـ محمد دياب
"إسرائيل".. وحرب الاستنزاف المعنوي والنفسي للمجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط
بعد عودة التهديدات.. إيران - أميركا الى أين؟ _ د. ليلى نقولا
الحكومة اللبنانية... والتعسّف القانوني… وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة _ د. نسيب حطيط