ثلاثاء العار .. بعض الإعلام الوضيع يحتفي بمصافحة العدو في واشنطن ـ محمد دياب

الأربعاء 15 نيسان , 2026 11:03 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

بعض الإعلام اللبناني الوضيع يحتفي بمصافحة العدو في واشنطن، وكأنّ الصورة بحد ذاتها إنجاز، وكأنّ مجرد الوقوف في المكان “الصحيح” جغرافياً كفيلٌ بمنح الشرعية السياسية والأخلاقية. هكذا تُختزل القضايا الكبرى في لقطة، وتُختصر الكرامة الوطنية في ابتسامة، فيما يُترك الرأي العام أمام مشهد مُعدّ بعناية: صورة بلا سياق، ومصافحة بلا ثمن ظاهر، وخطاب يُراد له أن يبدو عقلانياً وهو في جوهره تبريري.

هذا الاحتفاء ليس بريئاً. فهو لا يعبّر فقط عن انقسام سياسي، بل عن خلل أعمق في وظيفة الإعلام نفسه. حين يتحول الإعلام من مساءلة السلطة إلى تلميعها، ومن نقل الوقائع إلى إعادة صياغتها بما يخدم سردية محددة، يصبح جزءاً من المشكلة لا أداة لكشفها. الأخطر أن هذا الخطاب يساهم في تطبيع ما كان يُعتبر في السابق محل رفض، عبر تقديمه كأمر واقع، أو كخيار وحيد “عقلاني” في عالم معقد.

لكن ما الذي تغيّر فعلياً؟ هل أنتجت هذه اللقاءات تحولاً ملموساً على الأرض؟ أم أنها بقيت ضمن إطار العلاقات العامة السياسية، حيث تُقدَّم الإشارات بدل النتائج، وتُستبدل الإنجازات بالانطباعات؟ إن العودة من دون تحقيق الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، تكشف هشاشة الرهان على هذا النوع من التحركات التطبيعية، وتطرح سؤالاً بسيطاً: إذا لم تتحقق النتائج، فما الذي يُحتفى به تحديداً؟

الإجابة تكمن في محاولة إعادة تعريف النجاح. فبدلاً من قياسه بالنتائج، يُقاس بالحضور، بالصورة، وبالقبول في دوائر القرار الدولية. وهنا تحديداً يكمن الخطر: حين يصبح الهدف هو نيل الرضا الخارجي، لا تحقيق المصلحة الوطنية والكرامة، تتبدل الأولويات، وتُعاد صياغة الخطاب الداخلي ليتلاءم مع هذا الهدف. وهكذا، يتحول الإعلام إلى جسر بين ما يُقال في الخارج وما يُسوَّق في الداخل، حتى لو كان الثمن هو تشويه الوقائع أو تجاهل الأسئلة الأساسية.

إن ما جرى في واشنطن ليس حدثاً معزولاً، بل امتداد لمسار طويل من إدارة الأزمات عبر تدويرها لا حلّها. فبدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية للتوترات، يجري اللجوء إلى لقاءات تطبيعية تُستخدم لإظهار الحركة، فيما تبقى النتائج معلّقة. ومع كل جولة جديدة، تُصاغ ذريعة جديدة، ويُعاد إنتاج الخطاب نفسه، وكأن المشكلة في التفاصيل لا في النهج.

في المقابل، يُدفع الرأي العام إلى موقع المتلقي، لا الشريك.

“ثلاثاء العار” ليس فقط توصيفاً ليوم أو لمشهد، بل هو تعبير عن فجوة متزايدة بين ما يُعرض وما يُعاش.

في النهاية، يبقى لبنان المقاوم خارج معادلات المساومة. لا صلح يمرّ، ولا اعتراف يُنتزع، ولا مفاوضات تُفرض على حساب ثوابته. ما عجزت عنه الحروب لن تحققه الطاولات. هنا، حيث الكرامة ليست شعاراً، بل خياراً نهائياً، يسقط كل وهم بأن الإرادة يمكن أن تُشترى أو تُبدَّل.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل