واقع دول الخليج: ناطحات زجاجية وأساسات رملية.. وعروش عائلية مُرتعدة _ أمين أبوراشد

الخميس 20 آب , 2026 12:10 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ ساعات خارطة لمضيق هرمز واصفاً إياه بـ"الإقليم الأميركي الجديد"،  وقد حُذِفَت عن الخارطة دولتا قطر والبحرين؛ وكأنهما غرقتا في مياه البحر.

الردّ الإيراني جاء سريعاً: السيطرة على مضيق هرمز لا تحصل عبر التغريدات والتصريحات والخرائط الوهمية، بل بالمواجهة العسكرية، فيما جاء الرد الخليجي على شكل شكوى من مسؤولين عبر صفحات الواشنطن بوست تقول: "لا نعرف لماذا أعلن ترامب الحرب على إيران، ولا نعرف كيف سَيُنهيها، وكل ما نعرفه أننا ندفع الثمن".

التحالف المُسمَّى "دول مجلس التعاون الخليجي" انهار منذ بدء العدوان الأميركي الصهيوني على إيران؛ شأنه شأن جامعة الدول العربية التي شَهِدت كل مآسي العرب، واجتمعت ونددت وتآمرت عشرات السنوات، وماتت خجلاً، إن لم نقل نفقت، وتمّ دفنها فعلياً بعد عملية طوفان الأقصى، والتحق برفاتها الآن مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس في العام 1981 وأعلِنَت ولادته من العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وضمَّ كلاً من السعودية وقطر والبحرين والإمارات والكويت وسلطنة عُمان، وليس من قبيل الصدفة أن تأسيسه حصل بعد سنتين من قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. 

هنا لسنا بصدد تقييم دور "دول مجلس التعاون الخليجي" على المستوى العربي، وتحديداً حول القضية الفلسطينية، لأن خلافاتها البينيَّة كافية في هذا المجال، ويجمعها ربما خوفها غير المبرر من "البعبع الإيراني" منذ قيام الثورة الإسلامية، وهي بموجب اتفاقيات البترودولار مع أميركا، ووضع ثرواتها في السلة الأميركية منذ العام 1973، باتت رهينة أميركا على رؤوس الأشهاد وشرَّعت أراضيها خلال العقود الأربعة الماضية للقواعد العسكرية الأميركية التي ناهز عددها بين دول الخليج والأردن 17 قاعدة برية، عدا عن تشريع الموانىء للبوارج والمدمرات.

وخالفت الدول الخليجية القوانين الدولية التي تحكم  استضافة القواعد العسكرية، لا سيما المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظُر على أي دولة تستضيف قاعدة عسكرية لدولة أخرى، القيام بأي هجوم أو تهديد باستخدام القوة ضد مطلق دولة ثالثة، وهنا على أنظمة دول الخليج باستثناء سلطة عُمان، تقييم حجم مشاركتها لأميركا في العدوان على إيران ليس خلال الأشهر الستة الماضية من العمليات الحربية، بل منذ بناء أول مدماك لأول قاعدة أميركية في الخليج بهدف حماية دول الخليج من إيران، حيث كما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ أيام: "الحرب الأميركية على إيران لنزع سلاح نووي غير موجود، ولفتح مضيق لم يكن مقفلاً قبل الحرب".

وخالفت الدول الخليجية دساتيرها السيادية وفق متطلبات ومصالح انظمتها العائلية، بما فيها السيادة الوطنية التي نصٌَت قرارات الأمم المتحدة أن تظل الدولة المضيفة مالكة للسيادة على أراضيها رغم وجود القوات المُستضافة، وهذا ما لا ينطبق على أي قاعدة أميركية في الخليج، حيث حرية الحركة مطلقة وحَرَم القاعدة مُحرَّم على قوات الدولة المضيفة، وباتت أراضي القواعد كما السفارات أراضٍ أميركية.

 والآن، انقسمت "دول مجلس التعاون الخليجي" على هامش العدوان الأميركي الصهيوني على إيران إلى اربعة محاور، سلطنة عُمان في محور منفرد رافض للحرب، والسعودية وقطر في محورٍ ثانٍ يدعو إلى وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، والبحرين والكويت في محورٍ ثالث مغلوب على أمره أمام استمرار أميركا في استخدام قواعدها للعدوان من أراضيهما، فيما الإمارات اختارت أن تنفرد في المحور الرابع مع العدو الصهيوني، بحيث تدعم إستمرار الحرب على إيران من فوق الطاولة، ومن تحتها تدفع "الأتاوة النقدية" لإيران على أقساط، ويُقال إن المبلغ الإجمالي يقارب العشرين مليار دولار لتخفيف الضربات الإيرانية عليها، خصوصاً أن القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني تسيطر نارياً على ميناء الفجيرة الذي يعتبر أهم مرافىء ومرافق تصدير النفط الإماراتي.
"دول مجلس التعاون الخليجي" حاولت مراراً تشكيل جيشٍ موحَّد تقتصر مهامه على الدفاع عن حدود هذه الدول، لكن كل المحاولات فشلت، أولاً لأن المملكة السعودية كانت المرشحة الوحيدة على الدوام لقيادة هذا الجيش وهذا ما رفضته سلطنة عُمان وقطر، وثانياً لأن دول الخليج، باستثناء عُمان، جيوشها مرتزقة من جنسيات مختلفة؛ يمنية وسودانية وعُمانية، والمواطن الخليجي الذي يعيش رفاهية مميزة، لا يعنيه الانتساب إلى المؤسسات العسكرية سوى برتبة ضابط، وبالتالي، رأت أنظمة هذه الدول أن الحماية الأميركية المدفوعة الأجر بالمليارات عديداً وعتاداً هي الحل الأمثل للعروش العائلية، ولو على حساب السيادة الوطنية.

ومما زاد الطين بلَّة في تشرذم الدول الخليجية الآن، ولادة "وثيقة مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وباكستان وتركيا، وهناك عدة اجتهادات حول عدم انضمام مصر لهذه 
الإتفاقية، منها أن المملكة وضعت "فيتو" على انضمامها كونها ستكون عضواً غير موثوق، خصوصاً أنها ترتمي حالياً في أحضان الإمارات لجذب الاستثمارات نحو المدن المصرية الجديدة خصوصاً في الساحل الشمالي.

أمام هذا الواقع الذي مزَّق وحدة الدول الخليجية، وعزز المخاوف الأمنية لدى كل دولة ضمن حدودها، برز انقسام جديد حول جدوى بقاء القواعد الأميركية أو رحيلها، والطامة الكبرى أن هذه الدول لا تمتلك قرارها الذاتي بشأن بقاء أو رحيل القواعد الأميركية، لأن إيران بعد هذه الحرب القاسية باتت قلقة من "الجيرة الخليجية" وتضع شروطاً لوقف الحرب تتناول رحيل القوات الأميركية من المنطقة بأسرها، ولا بأس لو حاول الخليجيون طيّ صفحة الهلع غير المبرر من إيران، لاسيما أن باكستان تطالب بضمها إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وهذه فرصة تاريخية ليس بالضرورة عبر انضمام هذه الدول إلى اتفاقية مكة، بل على الأقل وضع دراسة جدوى التحرر من رحمة الأمن الأميركي، لأن الخطر على دول الخليج هو من أميركا و"إسرائيل" وليس من الصين ولا روسيا، كما يكرر على الدوام المحلل السياسي العُماني علي بن مسعود المشعني، الذي يعتبر أن معظم الدول الخليجية تتباهى بناطحات السحاب الزجاجية، وهي غير قادرة على حماية نفسها.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل