خاص الثبات
يبدو أن صحيفة «أكسيوس» الأمريكية كانت تلهث خلف شيء أكبر من مجرد قناة اتصال خلفية بين واشنطن وطهران. كانت تلهث، على ما يبدو، خلق سراب حلم الشرخ الإيراني الكبير: وفد سياسي يجلس إلى طاولة المفاوضات في جهة، والحرس الثوري، الذي تصفه الرواية الأمريكية بأنه صاحب الكلمة الفصل في مفاصل الدولة، في جهة أخرى.
لكن المشكلة أن الرواية المشبوهة التي أرادت «أكسيوس» أن تستخدمها لإثبات وجود هذا الانقسام تنتهي بإجابة إيرانية تقول العكس تماماً.
فبحسب الرواية الأميركية المنشورة في 16 آب/أغسطس، شعرت الإدارة الأمريكية بأن المفاوضين الإيرانيين، وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ربما لا يملكون التفويض الكافي لإبرام اتفاق، وأن الحرس الثوري قد يكون لديه «أفكار أو مطالب أخرى». ولهذا قررت واشنطن تجاوز القناة الرسمية والبحث عن قناة سرية مباشرة مع قيادة الحرس الثوري، مستخدمة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني وسيطاً.
هنا تبدأ الرواية التي أرادت واشنطن وأكسيوس أن تبدو مثيرة.
اتصال سري.
وسيط كردي.
قيادة الحرس الثوري.
وفد تفاوضي قد لا يمثل القرار الحقيقي.
وأمريكيون يريدون معرفة «من يتخذ القرار فعلاً» في طهران.
كل ذلك يوحي للقارئ بأننا أمام إيران منقسمة على نفسها، وأن هناك طبقة سياسية تفاوض، بينما المؤسسة العسكرية تملك أجندة مختلفة وتنتظر فرصة للانقلاب على ما يفعله المفاوضون.
لكن ماذا حدث عندما وصل السؤال فعلاً إلى الحرس الثوري؟
هنا تنهار الحبكة.
وفق رواية «أكسيوس» نفسها، حمل مسؤول من الحرس الثوري هاتفاً مشفراً إلى مكتب بارزاني في أربيل، وأُجريت محادثة مباشرة مع قائد الحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي. وكان السؤال الأمريكي واضحاً: هل أنتم متوافقون مع المفاوضين الإيرانيين؟ هل تؤيدون ما يجري؟ أم لديكم أفكار ومطالب أخرى؟
والجواب، كما تنقله «أكسيوس» عن مصدر مطلع، كان أكثر وضوحاً من أن يحتاج إلى محللين أمريكيين لتفسيره:
نعم. نحن متوافقون معهم. نحن ندعمهم. وهذا هو موقف الحرس الثوري. ونفضّل حل الأزمة عبر المفاوضات.
وهنا تحديداً تصبح القصة مثيرة للسخرية.
فواشنطن قطعت كل هذه المسافة لكي تكتشف أن «الطرف الآخر» الذي كانت تبحث عنه ليس طرفاً آخر أصلاً.
بحثت عن الحرس الثوري خلف الوفد الإيراني، فإذا بالحرس يقول لها: نحن خلف الوفد.
بحثت عن موقف عسكري مختلف عن الموقف السياسي، فإذا بها تتلقى جواباً يقول: هذا هو موقفنا أيضاً.
بحثت عن جهة تستطيع أن تقول إن المفاوضين لا يمثلونها، فإذا بالجهة المفترضة تقول إنها تدعم المفاوضين وتمثل موقفها عبرهم.
فأي «شرخ» بقي بعد ذلك؟
رواية كاذبة مبنية على سؤال... ثم يأتي الجواب لينفي السؤال
وبهذا الجواب تحديداً، انتهت القصة التي كانت تبحث عنها «أكسيوس» قبل أن تبدأ.
لماذا قد تدفع "إسرائيل" نحو إعادة الحرب إلى لبنان؟ _ د. ليلى نقولا
نتنياهو يهدّد "الإسرائيليين" بالمقاومة: انتخبوني حتى لا ينتصروا _ د. نسيب حطيط
انتبهوا... إدانة المقاومين وتشتيت الكلمة سلاحٌ بيد العدو _ د. نسيب حطيط