أقلام الثبات
عادت "إسرائيل" الى التصعيد في جنوب لبنان، وهو ما كان متوقَّعاً كلما اقتربت الانتخابات "الإسرائيلية"، وكلما اقتربت مهلة الستين يوماً، لانتهاء مدة وقف النار المتفَق عليه بين الأميركيين والإيرانيين. وبالرغم من بعض التقديرات التي اعتبرت أن "إسرائيل" ستكون مقيَّدة بـ"اتفاق الإطار"، وأن الولايات المتحدة ستلجم التوسع "الإسرائيلي"، لكن الحقيقة أن "إسرائيل" تريد أن تستخدم آليات التهدئة والتفاوض نفسها لتقوم بقضم الجغرافيا اللبنانية بدون مقاومة، وهو ما دفعها للرد بعنف ضد المدنيين بعدما واجه حزب الله التقدم "الإسرائيلي" في تلة علي الطاهر.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا يبدو أن "إسرائيل" غير مرتاحة لفكرة الاستقرار في لبنان والمنطقة، حتى عندما تتوافر فرص لتثبيت التهدئة؟
1) "إسرائيل" تخشى ما بعد الحرب أكثر من الحرب نفسها
بعدما استطاع نتنياهو أن يجرّ الولايات المتحدة الى حرب مع إيران، فإنه يريد الاستمرار بالحرب حتى الانتهاء من محور المقاومة بكافة عناصره، وبنظره، إذا تعذّر اسقاط النظام في إيران، فيمكن تدمير كامل البنية التحتية الإيرانية بحيث لا يتبقى أي قدرة للنهوض من جديد.
لهذا السبب، تجد "إسرائيل" نفسها أمام مفارقة استراتيجية: هي لا تريد استقراراً يسمح لخصومها بإعادة إنتاج قوتهم، وبالتالي يجب الاستمرار بالحرب حتى لو استنزفت قدرات الولايات المتحدة و"إسرائيل" والدول العربية.
2) "إسرائيل" تريد تغيير لبنان بشكل نهائي
لا تنظر "إسرائيل" إلى لبنان كمجرد دولة مجاورة، بل كساحة يجب أن تبقى غير قادرة على تكوين عناصر قوة مستقلة. ولذلك فإن المشكلة "الإسرائيلية" ليست فقط مع حزب الله، بل مع أي واقع لبناني أو إقليمي يحدّ من حرية الحركة "الإسرائيلية" أو يفرض توازن ردع طويل الأمد.
ما تسعى إليه "إسرائيل" هو إنتاج لبنان جديد بشروط مختلفة: سيطرة عسكرية تامة "إسرائيلية" على الجنوب، دولة لبنانية تتولى مواجهة أي قوة مقاومة داخلية، نظام سياسي يخضع لضغوط اقتصادية وأمنية مستمرة، فصل لبنان بشكل نهائي عن أي محور إقليمي معادٍ "لإسرائيل"، وعقد اتفاقية تطبيع معه.
3) التوقيت ليس لبنانياً بل إقليمياً
كلما اقتربت الانتخابات النصفية الأميركية، وكلما تمّ الحديث عن تقدم في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، تخشى "إسرائيل" من أمرين:
الأول: أن يتم التوصل إلى تفاهمات إقليمية لا تكون هي صاحبة الكلمة الفصل فيها.
والثاني: أن يتحول لبنان من ساحة صراع إلى جزء من تسوية إقليمية مستقرة نسبياً.
ولذلك فإن الخطر الحقيقي الذي يراه صناع القرار "الإسرائيليون" هو احتمال ولادة معادلة ردع مستقرة تجعل "إسرائيل" مضطرة للتعايش مع حدود لحرية حركتها العسكرية في الإقليم والتي بدأتها بعد 7 أكتوبر 2023، وذلك لأن "إسرائيل" تفضل الحرب التي لا تنتهي على أن تضطر للتعايش مع توازن استراتيجي طويل المدى يقيّد خياراتها التوسعية.
في الخلاصة، إذا أردنا وضع الإصبع على الجرح حول التوجه "الإسرائيلي" في لبنان، تدرك "إسرائيل" أن الحروب تنتهي، لكن المعادلات التي تنتج عنها قد تعيش لعقود. بالتالي، تخشى "إسرائيل" أن تضطر لاحقاً للانسحاب من لبنان تحت وطأة الضغوط المختلفة، وبالتالي يتحول لبنان إلى نموذج يثبت أن التفوق العسكري "الإسرائيلي" لا يكفي وحده لفرض الإرادة السياسية.
نتنياهو يهدّد "الإسرائيليين" بالمقاومة: انتخبوني حتى لا ينتصروا _ د. نسيب حطيط
انتبهوا... إدانة المقاومين وتشتيت الكلمة سلاحٌ بيد العدو _ د. نسيب حطيط
حرب تقرير المصير وحفظ الوجود والعقيدة في لبنان _ د. نسيب حطيط