أقلام الثبات
يخوض أهل المقاومة الشرفاء في لبنان معركةً استثنائية ووجودية لتقرير مصير هوية لبنان، فإمّا أن يكون حرّاً مستقلاً، أو أن يُسْلَب قرارُه، ومعركة لحفظ العقيدة فإمّا أن يُساق إلى اتباع اتفاقات "إبراهام" و"الديانة الابراهيمية"، أو تبقى له عقيدته المسيحية والإسلامية والوطنية والقومية ضمن معركة البقاء والوجود والثبات على المبادئ، وإمّا أن يكون إنساناً حراً، أو عبداً مُسيَّراً لخدمة المشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، مقابل طعامه وشرابه الذي يجنيه بتعبه، لا مِنْحَةً من أعدائه.
إنَّ تغيُّرَ مسار الحرب وأهدافها، وانتقالَها من حربٍ لتحرير الأرض وحفظ الأمن إلى حربٍ للدفاع عن الوجود والعقيدة، يستوجب تغييراً في الاستراتيجية والأساليب والأطراف المشاركة فيها، لأنَّ أيَّ تراجعٍ أو نزعٍ لسلاح الصبر والإرادة، أو استمرار الخلافات وتقاذف المسؤوليات بين أهل المقاومة — الذي يكاد يُبرّئ العدو "الإسرائيلي" من مسؤولية الجرائم والإبادة الجماعية التي يرتكبها — يأتي نتيجة الضغوط والآلام واليتم السياسي والرعائي الذي يتعرض له أهل المقاومة منذ ثلاث سنوات، وتتصاعد الضغوط عليهم دون أن يلمسوا أيَّ ضوءٍ في هذا النفق، سوى الاتكال على الله وحسن الظن به، وسواعد ثُلَّةٍ من المقاومين الصامدين الكربلائيين الذين لو أحسن السياسيون استثمار تضحياتهم وإنجازاتهم الأسطورية، لأحرز المجتمع المقاوم الكثير من المكاسب، وقَلَّلَ كثيراً من الخسائر، وفرض نوعاً من التوازن بين قوة العدو "المتفوّقة" عسكرياً والقوة الإيمانية لهؤلاء المقاومين الذين منعوا اكتمال المشروع "الإسرائيلي" او تثبيت مكاسبه السياسية والميدانية، باعتراف المسؤولين "الإسرائيليين"، وأوضح الشواهد "تلّة علي الطاهر" التي باتت تحكم بمصير المشهد السياسي "الإسرائيلي"، فإمّا أن تُسقط نتنياهو ومشروعه، أو تعيد رسم توازنات المنطقة.
لابُدَّ للمجتمع المقاوم بجناحيه "العسكري والمدني" أن يبدأ هجومه "الدفاعي" المضاد، ويغادر كمائن الصمت التي تحصَّن بها منذ عدة سنوات، رغم التنمر والعزل والاعتداء عليه سياسياً وقانونياً وطائفياً في الداخل، والقصف والقتل والتدمير والتهجير من الخارج، لأن حالة الصمت السلبي استنفدت أهدافها وسقطت أسبابها ولم تنتج سوى التراجع والخيبات والتنازلات، والاستمرار فيها سيؤدي إلى إحراق ما تبقى من أوراق قوة ردعية على المستوى السياسي والرسمي والشعبي، ويَحفرُ قبراً خلف المقاومين المرابطين في الجنوب ليكونوا بين حُفرتي الغدر الداخلي والتوحش العسكري الخارجي.
لابُدَّ من تغيير منهجية وأساليب وشخصيات الإدارة السياسية والرعائية للحرب والأزمة المعيشية لأهل المقاومة، بعدما برز القصور والإهمال الفاضح، وبدأت عوارض "الانفصامٍ العقائدي والسلوكي والكلامي" على مستوى مشروع المقاومة التي بدأت تتصحر نتيجة الضغوط والآداء غير المتكافئ، فبدلاً من أن تكون المقاومة مشروعاً جماعياً طوعياً واختيارياً لعموم المجتمع، بدأت بالتراجع — ولو ظاهرياً — لتصبح محصورةً داخل جماعةٍ أو حزبٍ يتعرّض للعزل والحصار متعدّد الجنسيات، لكنَّ الأمر الأشد خطورة هو أن يتم عزلها داخل طائفتها.
لابُدَّ من إعلان حالة طوارئ عقائدية وثقافية وإعلامية واجتماعية لكسب الحرب الوجودية والعقائدية التي تخوضها الطائفة والمجتمع، وأن يكون الجميع جنوداً في هذه الحرب من التاجر الذي لا يَحتكر، والطبيب الذي لا يزيد بدل المعاينة، وعالم الدين الذي فرض على نفسه — أو فُرِضَ عليه — منع تجولٍ ثقافي وعقائدي، وصولاً إلى كل مسؤول حزبي أو رسمي، فالنار "الإسرائيلية" تستهدف الجميع، والمثال الأوضح والصارخ ما يجري في الجنوب حيث دمّرت "إسرائيل" بيوت الجميع؛ مهما كانت هويتهم الحزبية، او معارضين و محايدين، وكذلك تجريف المقابر بمفعولٍ رجعي للشهداء والموتى الذين قاتلوا "اسرائيل" او شاركوا بالدعاء لهلاكها!
لا يمكن منع الانهزام أو تحقيق الانتصار في هذه الحرب بالخطابة والتهديدات، فإمّا أن نكون مجتمع حربٍ واقتصاد.. حربٍ وسلوكيات.. حربٍ لتجميع ماتبقى من أوراق القوة، ولو كانت ضعيفة، وإمّا أن نستمر ونعيش حالة الاحتضار البطيء والمؤلم.
ما زال الوقت متاحاً، وما زلنا نملك القدرة على الصمود والمقاومة لحفظ الوجود والعقيدة والمبادئ ونحن في الشهور الحاسمَة لهذه الحرب التي لم تنتهِ، ولم يحقق العدو فيها انتصاره النهائي، بل انتصاراتٍ مؤقتة يمكن للمقاومين تقليلها أو إفراغها من محتواها بشرط العقلانية، والموضوعية، وحسن الإدارة، بخلع ثوب الازدواجية ومنهج (لعم) الملتبسة والمبادرة للحسم لتجريد العدو من سيفه القاتل عبر إسقاط الحكومة.
اصبروا واصمدوا ولا تهدروا تضحيات ثمانين عاماً.. ولا تغادروا جبل الرماة في "أُحد".. شهور ستحدّد مصيرنا وسيكون الأفضل بإذن الله الجبّار.
حرب تقرير المصير وحفظ الوجود والعقيدة في لبنان _ د. نسيب حطيط
السبت 15 آب , 2026 02:59 توقيت بيروت
أقلام الثبات
بين صندوق الاقتراع "الأميركي" ومضيق هرمز: هل تقترب المنطقة من هدنة أم من حرب أكبر؟ ـ محمد دياب
"اوراق خطيرة جُهّزت".. من طهران الى عليّ الطاهر! ــ ماجدة الحاج
انصروا المقاومين في "علي الطاهر".. اليتامى تحت النار _ د. نسيب حطيط