بين صندوق الاقتراع "الأميركي" ومضيق هرمز: هل تقترب المنطقة من هدنة أم من حرب أكبر؟ ـ محمد دياب

السبت 15 آب , 2026 10:21 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

تدخل المنطقة مرحلة لا تشبه ما سبقها. فالمشهد لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متخاصمة، بل بات صراعاً على الوقت، والكلفة، والقدرة على الصمود، ومن يملك اليد العليا عندما تبدأ لحظة التفاوض.

وفي قلب هذا المشهد تقف إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: الولايات المتحدة تريد منع انفجار إقليمي واسع، وإسرائيل تحتاج إلى إبقاء الإنجاز العسكري حاضراً في حساباتها السياسية، بينما تدرك طهران أن أفضل ما يمكن أن تفعله في هذه المرحلة هو الصمود، ورفع كلفة الحرب، والحفاظ على أوراق القوة حتى لا تدخل أي تسوية من موقع الضعف.

ترامب يريد تهدئة… ونتنياهو يريد إنجازاً

الحسابات الأميركية والإسرائيلية ليست متطابقة.

واشنطن، وفق هذه القراءة، لا تبدو راغبة في حرب إقليمية مفتوحة تستنزف قواتها وأموالها وتضغط على أسواق الطاقة قبل الانتخابات النصفية. ولذلك فإن الهدف الأميركي قد يكون الوصول إلى تهدئة قابلة للإدارة، من دون تقديم تنازلات كبيرة، والإبقاء على أدوات الضغط قائمة.

أما بنيامين نتنياهو، فحساباته أكثر ارتباطاً بمستقبله السياسي. فالحرب الطويلة تمنحه مساحة للمناورة، بينما قد يؤدي انتهاء المواجهة إلى فتح ملفات سياسية وأمنية داخلية يصعب عليه التحكم بمسارها.

وهنا تظهر المفارقة: ترامب يريد خفض مستوى النار، بينما يحتاج نتنياهو إلى إبقاء النار مشتعلة بالقدر الذي يخدم موقعه السياسي.

وبين الحسابين تتحرك إيران.

هرمز… عندما يتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية

مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري. إنه إحدى أهم نقاط الضغط في معادلة الطاقة العالمية.

ومن هنا تأتي أهمية الورقة الإيرانية. فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق دائم للمضيق كي تستخدمه سياسياً؛ يكفي أن يبقى احتمال تعطيل حركة الطاقة قائماً حتى ترتفع المخاطر والتكاليف والتأمينات والأسعار، ويبدأ المجتمع الدولي في التفكير جدياً بكلفة استمرار الحرب.

وهنا تقوم الاستراتيجية الإيرانية على فكرة واضحة:

إذا كانت الحرب مكلفة لإيران، فيجب ألا تكون مجانية بالنسبة إلى خصومها.

وهذه هي النقطة التي تجعل الصمود الإيراني مختلفاً عن مجرد الدفاع العسكري. فالمعركة تتحول إلى مواجهة إرادات: من يستطيع تحمل الكلفة لفترة أطول؟ ومن يضطر أولاً إلى البحث عن مخرج؟

نقص الذخائر… علامة ضعف أم رسالة سياسية؟

الحديث عن نقص الصواريخ الاعتراضية والذخائر لدى الولايات المتحدة أو حلفائها لا ينبغي التعامل معه باعتباره تفصيلاً عسكرياً فقط.

فحتى لو كان هذا النقص جزئياً أو مؤقتاً، فإن ظهوره في خضم مواجهة واسعة يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع: الحرب لها سقف، حتى بالنسبة إلى القوة العسكرية الأكبر في العالم.

قد تكون الرسالة موجهة إلى الداخل الأميركي، وقد تكون موجهة إلى الأوروبيين ودول الخليج لحثهم على تحمل جزء أكبر من الكلفة، وقد تكون ببساطة محاولة لتحسين شروط التفاوض.

لكن النتيجة الأهم تبقى واحدة: كلما طال أمد المواجهة، ارتفعت فاتورتها.

وهنا تراهن إيران على عامل الزمن.

طهران لا تحتاج إلى انتصار سريع

ربما تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية في أنها لا تدخل هذه المواجهة بمنطق ضرورة تحقيق انتصار خاطف.

فالهدف الأكثر واقعية هو منع الخصم من تحقيق أهدافه بأقل كلفة، والحفاظ على القدرة على الرد، وإبقاء أوراق الضغط مفتوحة.

وهذا يعني أن إيران تستطيع تحويل الصمود نفسه إلى أداة تفاوضية.

فكل يوم إضافي من الحرب يفرض حسابات جديدة على واشنطن، وكل ارتفاع في كلفة الطاقة يخلق ضغطاً جديداً على الأسواق، وكل توسع للجبهات يضع الحلفاء أمام أسئلة صعبة.

ومن هذا المنظور، يصبح الصمود الإيراني ليس موقفاً دفاعياً فحسب، بل استراتيجية لإعادة توزيع كلفة الحرب.

لبنان… الساحة التي قد تختبر حدود التصعيد

تبقى الجبهة اللبنانية واحدة من أكثر الجبهات حساسية.

إسرائيل قد تجد في التصعيد المحدود فرصة لإظهار القوة وتحقيق مكسب سياسي، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن توسيع المواجهة قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون حرباً شاملة، بل ضربات محسوبة، وضغوط متبادلة، وعمليات محدودة، ومحاولات لاختبار ردود الفعل من دون تجاوز الخطوط الحمراء.

لكن المشكلة أن الحروب لا تسير دائماً وفق الحسابات التي يضعها أصحابها.

ضربة واحدة أكبر من اللازم، أو رد أقوى من المتوقع، أو سوء تقدير في لحظة حساسة، قد ينقل المنطقة من التصعيد المحسوب إلى مواجهة أوسع.

أخطر السيناريوهات: عندما تفشل الحسابات

السيناريو الأخطر يبقى توجيه ضربة مباشرة وكبيرة إلى إيران.

ليس لأنها تعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة فوراً، بل لأنها قد تفتح سلسلة من الردود المتبادلة يصعب على أي طرف التحكم بنهايتها.

وهنا تصبح كل الحسابات الانتخابية أقل أهمية من دينامية الميدان.

فإذا دخلت إسرائيل الحرب بهدف تحقيق إنجاز سريع، وردت إيران بطريقة ترفع الكلفة إلى مستوى غير متوقع، واضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل بصورة أوسع، فإن المعادلة كلها قد تتغير.

عندها لن يعود السؤال: هل نريد الحرب؟

بل سيصبح: كيف نخرج منها؟

ثلاثة طرق أمام المنطقة

خلال المرحلة المقبلة تبدو المنطقة أمام ثلاثة مسارات رئيسية:

الأول: تهدئة مؤقتة.
تسعى واشنطن إلى ضبط الجبهات وتأجيل الملفات الأكثر انفجاراً، بما يسمح بعبور الاستحقاق الانتخابي بأقل خسائر ممكنة.

الثاني: تصعيد محدود.
تستمر الضربات والعمليات، خصوصاً في لبنان وغزة، لكن ضمن سقف يمنع تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.

الثالث: انفجار مفاجئ مع إيران.
وهو السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه الأكثر خطورة، وقد ينتج عن ضربة نوعية أو خطأ في الحسابات أو محاولة متعمدة لإفشال أي مسار للتهدئة.

الصمود قبل التسوية

في النهاية، لا تبدو المعركة الحالية مجرد سباق بين الصواريخ والطائرات.

إنها معركة إرادات.

واشنطن تريد إدارة الأزمة لا الانجرار إلى حرب مفتوحة. إسرائيل تريد الحفاظ على المبادرة والإنجاز العسكري. وإيران تريد إثبات أن الضغط العسكري لا يكفي لفرض شروط سياسية عليها.

ومن هنا يأتي الرهان الإيراني الأبرز: الصمود حتى تتغير حسابات الخصم.

فإذا كانت الولايات المتحدة تبحث عن تهدئة، وإسرائيل تبحث عن إنجاز، والأسواق العالمية تبحث عن الاستقرار، فإن قدرة إيران على تحمل الضغط وإبقاء أوراقها الاستراتيجية مفتوحة قد تصبح بحد ذاتها عاملاً يفرض التفاوض.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت المنطقة ستشهد مزيداً من إطلاق النار فقط، بل من سيصل إلى لحظة الإنهاك أولاً، ومن سيتمكن من تحويل صموده إلى شروط سياسية.

وقد يكون هذا هو جوهر المعادلة كلها:

إيران تراهن على أن الحرب لا تُحسم دائماً بمن يملك القوة الأكبر، بل أحياناً بمن يستطيع أن يصمد أطول، ويجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التراجع عنها.

أما المنطقة، فتقف بين هدنة مؤقتة قد تفرضها الحسابات السياسية، وتصعيد محدود قد يخدم الانتخابات، وحرب أكبر قد تبدأ من قرار محسوب… ثم تخرج عن الحسابات.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل